فتمتص دمه، أمّا اصطلاحا فهو تمنّي زوال نعمة المحسود وأنّ لم يَصِرْ للحاسد مثلها، أو تمني عدم حصول النّعمة للغير. وأنّ من الحسد ما يكون بمعنى الغبطة، وهذا حسد غير مذموم وهو ليس من الأمراض الرّوحية، ويسمى حسدًا مجازًا وهو تمني العبد حصوله على مثل النّعمة الّتي عند المنعم عليه من غير أن تزول عنه، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال:(لا حسد إلا في إثنين، رجلّ علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء اللّيل وآناء النّهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجلّ آتاه
الله مالا فهو يهلكه في الحقّ فقال رجلّ ليتني أوتيت مثل ما أُوتيَ فلان فعملت مثل ما يعمل).
والحسد من اخطر الأمراض الّتي عرفها ابن آدم فقد كان أول سبب أُخرج به آدم من الجنّة وكان أول سبب ظهرت به المعصية في أبنائه، والحسد ينجرّ عنه سلب النّعمة من المحسود إمّا بإتلافها أو بإتلاف صاحبها بإذن الله، وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ قال: (إياكم والحسد، فأنّ الحسد يأكلّ الحسنات كما تأكلّ النّار الحطب) .
يقول ابن القيم: (وأصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها، فالحاسد عدوّ النعم، وهذا الشرّ هو من نفسه وطبعها، ليس هو شيئًا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السّحر فأنّه إنما يكون باكتساب أمور أخرى واستعانة بالأرواح الشيطانيّة) (بدائع الفوائد) . والحاسد هو أشدّ النّاس شرّا، يقول ابن القيم: (والشّيطان يقارن السّاحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبهما، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان، لأنّ الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه، لأنّه يطلب ما يحبه الشّيطان من فساد النّاس وزوال نعم الله عنهم، كما أنّ إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدًا، فالحاسد من جند إبليس، وأمّا السّاحر فهو يطلب من الشّيطان أن يعينه ويستعينه وربما يعبده من دون الله حتّى يقضي له حاجته وربما يسجد له) (بدائع الفوائد) .
ولقد ذكر الحسد في عدّة مواضع من القرآن والسنّة المطهرة، يقول الله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تبيّن لَهُمُ