الْحقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أنّ اللَّهَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 109) ويقول سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النّاس عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} (النّساء 54) وقوله: {وَمِنْ شرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق 5) . وأمّا في السنّة المطهرة فعن أبي سعيد أنّ جبريل عليه السلام أتى النّبيّ فقال:(يا محمّد اشتكيت فقال: نعم، قال باسم الله أرقيك من كلّ شيء يؤذيك من شرّ كلّ نفس أوعين
حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك) (رواه مسلم) .
و تدخل العين في باب الحسد، فالعائن هو حاسد خاصّ، لأنّ العائن لا ينعقد شره إلا حين يرى المحسود بخلاف الحاسد فهو بإذن الله يلحقّ الضرر بالمحسود بمجرد التّفكير فيه. ولأنّ العائن قد يؤذي المعين دون أن تنعقد في قلبه نية الضرر به، فقد يعين الشخص نفسه وأهله وماله وأحب النّاس إليه وهو لا يدري، فتكون الإصابة بالعين لإعجاب العائن بنعمة الله على المعين، فيذكر نعمته بالمدح والإعجاب بلسانه دون أن يدعو لصاحبها بالبركة فيحضرها الشّيطان فيتقوى بها على المعين فيؤذيه بإذن الله، يقول المناوي: (فالشّيطان يحضرها بالإعجاب بالشيء وحسد ابن آدم بغفلة عن الله فيحدث الله في المنظور علة، يكون النظر بالعين سببها فتأثيرها بفعل الله) (فيض القدير) . أمّا في حالة انعقاد نية إلحاق الأذى بالمعين وذهاب نعمته فيصبح العائن حاسدا.
ولقد ورد في كتاب الله وسنة نبيه تفصيل كلّ من الحاسد والعائن، فجاء في الحاسد ما ورد في قول الله تعالى: {وَمِنْ شرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق 5) يقول ابن القيّم في تفسيره لهذه الآية: (فحقق الشرّ منه عند صدور الحسد، والقرآن ليس فيه لفظة مهملة. ومعلوم أنّ الحاسد لا يسمى حاسدًا إلا إذا قام به الحسد، كالضارب والشاتم والقاتل ونحو ذلك، ولكن قد يكون الرّجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود لاه عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، ووجهت إليه سهام الحسد من قلبه فيتأذى المحسود بمجرد ذلك، فإنّ لم يستعذ بالله ويتحصّن به، ويكون له أوراد من الأذكار والدّعوات والتوجه إلى الله والإقبال عليه، بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله، وإلا ناله شرّ الحاسد ولا بد) (بدائع