فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 177

في غزوة (أُحُد) قد هُزِموا، وقُتِل حمزة بن عبدالمطَّلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وسيِّد الشهداء، فهل معنى ذلك أنه لأنه لم ينتصر فليس من الفرقة الناجية؟!

بالطبع لا يمكن الحكم على الأشياء بظواهرها، وإنما النصر والهزيمة هما ابتلاء الله تعالى للفئة المؤمنة، لقوله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 140 - 141] ، فالله تعالى شهِد لهم بالإيمان رغم ما مسَّهم من قرح لهزيمتهم في أحد، وأعلمهم أن سنة الله تعالى - وإن كانت نصر المؤمنين في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد - هي الابتلاء والتمحيص قبل النصرة، فإذا تجاوزت الفئة المنصورة مرحلتَي الابتلاء والتمحيص، بشَّرها الله تعالى بالنصر إن شاء الله، ولا شك أن أعمارًا من في هذه الفئة تقصر عن بلوغ مرحلة النصر، وإنما قد تكون قد شاهدت مرحلة التمحيص والابتلاء فحسب، ولا يَحُول ذلك دون وصفِهم بالطائفة المنصورة؛ لأنهم بذروا بذرة هذا النصر باستشهادهم في سبيل الله تعالى، بعدما أدُّوا ما عليهم ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم.

مما تقدَّم نخلص إلى أن الفِرَق في الأمة الإسلامية لن تنجوَ منها من النار إلا واحدة، ورغم أن هذه الفرق من الأمة المسلمة، إلا أن النار عقابها لها ما لم تعتصم بكتاب الله تعالى، فإذا ما اعتصمت كانت هي الفرقةَ الناجية، والفرقةُ الناجية من النار منها طائفةٌ من الأمة ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خذلهم، وهم المرابطون في سبيل الله تعالى، ولذلك قال بعض العلماء إن المسلمين هم أهل القِبْلة، الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (( مَن صلى صلاتنا، واستقبل قِبْلتنا، وأكل ذبيحتَنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا اللهَ في ذمته ) ) [1] .

وهؤلاء منهم العصاة، ومنهم أهل الطاعة، ومن ثَمَّ منهم مَن يستحق النار ولا يُخلَّد فيها لإسلامه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من أهل القبلة من شاء الله، قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخِذنا بها، فسمع الله ما قالوا، قال: فأمر بمَن كان في النار من أهل القِبْلة فأُخرِجوا، فيقول الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما أُخرِجوا ) )، قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 1، 2] [2] .

(1) رواه البخاري ج 2 ص 150 رقم 378.

(2) رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 265 رقم 2954، وصححه الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني: ظلال الجنة ج 2 ص 100 رقم 843.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت