تقديم
بقلم: الدكتور أحمد الكبداني
يبدو للمتأمل أحيانا، أنه من الصعوبة بمكان رسم الحدود التي تفصل بين مجالات نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة، ومختلف العلوم الإنسانية الأخرى لما يربط فيما بينها من علائق متشابكة. وإذا كان مفهوم ما بعد الحداثة قد نال كامل حظوظه على مستوى الاستعمال والتداول، فإنه بالرغم من كثرة ما كتب عنه أو ترجم ظل يشكل على الدوام أحد المفاهيم الأكثر غموضا والتباسا، اعتبارا لطبيعته المعقدة التي تتغير باستمرار من حقل إلى آخر. لذلك، فالحديث عن نظريات النقد الأدبي في فترة ما بعد الحداثة ليس بالأمر الهين، لأنه مجال واسع جدا بحكم اعتمادها على مفاهيم ابستمولوجية وإجراءات نظرية ومنهجية صارمة، وأيضا لتعدد أصول ومرجعيات كل تصور نظري أو منهجي سواء في سياقه النظري الذي ظهر فيه أم في أبعاده الإبستمولوجية، وطبيعة الخلفيات الفلسفية والإيديولوجية التي كانت وراء ميلاد نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة.
في هذا الإطار، يندرج كتاب (نظريات النقد الأدبي ومناهجه في مرحلة ما بعد الحداثة) للدكتور جميل حمداوي، وهو ثمرة عمل دؤوب لباحث كرس وقته وجهده في مواكبة المنجز النقدي النظري والمنهجي في الدراسات الغربية والعربية، ومحاولة تمثل سياقها الثقافي والنقدي ضمن سيرورتها التاريخية. وهكذا، سيلاحظ القارئ أن كل فصل من فصول هذا الكتاب قد اتخذ مسلكا منهجيا يقوم على التعريف بنظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة، والبحث في أصولها ومرجعياتها، مع عرض المفاهيم الأساسية التي تنظم كل نظرية على حدة