من المعلوم أن مصطلح الثقافة عام وعائم وفضفاض في دلالاته اللغوية والاصطلاحية، ويختلف من حقل معرفي إلى آخر، وهو من المفاهيم الغامضة في الثقافتين: الغربية والعربية على حد سواء. فالثقافة بطابعها المعنوي والروحاني تختلف مدلولاتها من البنيوية إلى الأنتروبولوجيا وما بعد البنيوية. وتندرج الثقافة مجاليا ضمن الحضارة التي تنقسم إلى شقين: الشق المادي والتقني، ويسمى بالتكنولوجيا (Technologie) ، والشق المعنوي والأخلاقي والإبداعي، ويسمى بالثقافة (Culture) .
ومن ثم، يمكن الحديث عن نوعين من الدراسات التي تنتمي إلى النقد الحضاري: الدراسات الثقافية (Cultural studies) التي تهتم بكل ما يتعلق بالنشاط الثقافي الإنساني، وهو الأقدم ظهورا، والنقد الثقافي (Cultural criticism) الذي يحلل النصوص والخطابات الأدبية والفنية والجمالية في ضوء معايير ثقافية وسياسية واجتماعية وأخلاقية، بعيدا عن المعايير الجمالية والفنية والبويطيقية، وهو الأحدث ظهورا مقارنة بالنوع الأول. ومن ثم، يهتم النقد الثقافي بالمؤلف، والسياق، والمقصدية، والقارئ، والناقد. ومن ثم، فالنقد الثقافي نقد إيديولوجي وفكري وعقائدي. وهكذا، فقد رفض المثقفون الأمريكيون القاطنون بمدينة نيويورك منح جائزة بولنجتون في عام 1949 م للشاعر عزرا باوند؛ لأنه كان مؤيدا لموسوليني وهتلر في الحرب العالمية الثانية. ويعني هذا أن هؤلاء المثقفين كانوا ينطلقون من مسلمات ثقافية وسياسية وأخلاقية أكثر من انطلاقهم من مرتكز النص أو الخطاب باعتباره علامة ثقافية وسياقية، تحمل مقاصد مباشرة وغير مباشرة، قبل أن يكون علامة جمالية أو فنية أو شكلية. ومن ثم، يهدف النقد الثقافي إلى كشف العيوب النسقية التي توجد في الثقافة والسلوك، بعيدا عن الخصائص الجمالية والفنية. ويعني هذا أن النقد الثقافي هو"فعل الكشف عن"