و لا تعجل على أحد بظلم*** فإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن مُلّيت غيظًا*** على أحد فإن الفحش لوم
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جمع المسلمين بهذا الدين، وأرسل إليهم خير المرسلين، بالحكمة والذكر المبين، فجمع الله به بعد الفرقة، وألف به بعد النفرة، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها المسلمون، الوصية الثامنة: أُمّوا المساجد للصلاة والائتلاف، ولا تخرجوا منها بالكراهية والاختلاف؛ فالمساجد لم تُبن لتفريق الصفوف بل لجمعها، ولم تُفتح لإغلاق نوافذ تصفية القلوب بل لفتحها وتجليتها. فالمسجد في الإسلام رمز لجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتعميق معاني المحبة والقرب، جسد بجانب جسد، وقدم ملتصقة بقدم، ومنكب بمنكب، الجميع يقومون ويركعون ويسجدون لا تخالف بينهم، اتحاد ظاهر يدعو إلى اتحاد باطن.
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح منا كبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم) [1] .
ولأجل هذه الأهداف السامية للمسجد كان المسجد من أول أعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة؛ ليجمع الأرواح والأبدان معًا.
فمن منطلق معرفة رسالة المسجد السامية وفي خضم هذه الفتن السياسية أوصي إخواني المصلين روادَ المساجد الأفاضل الذين أنعم الله عليهم بلزوم المساجد في الصلوات الخمس: أن يكونوا لحمة واحدة متحابين متآلفين، مجتمعين على الحق غير متفرقين، ولو تعددت الآراء واختلفت وجهات النظر السياسية فلا يؤدي ذلك إلى تغير القلوب المتحابة وتمزيق الصفوف المتماسكة، فالخلاف سنة كونية لا يمكن أن يُرفع حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان، ولكن على الجميع أن يراعي أدب الخلاف حتى يسود الوئام لا البغضاء والخصام.
وعلى ذلك فلا تُحوَّل المساجد إلى ساحات عراك وصراخ، وملاسنة وكثرة كلام، وتنازع وتشاجر؛ فقد جمعنا الله بالمسجد فكان لنا مكانَ قوة فلا نجعله منطلقَ ضعف فنفشل وتذهب قوتنا، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 46] .
وتذكروا قول الله تعالى وكونوا من أهل هذه الآيات: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ
(1) رواه مسلم.