فهرس الكتاب
والزواج مودة وسكن يجمع قلبين في عش واحد دون سابق عهد باللقاء؛ فتنبت بينهما الرحمة والوفاء، وبذلك يكون آية من آيات الله في خلقه قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم 21] .
والزواج حفظ للأنساب، ووسيلة للتآلف والاجتماع بين الأسر المتباعدة؛ فبه تصبح تلك الأسر متآزرة قوية.
والزواج بناء لأسرة جديدة في المجتمع تحفظه من الفواحش، وترفده بالعطاء السخي من الأعمال النافعة، والذرية الصالحة؛ فإن الزوج يشعر بالمسؤولية فينطلق لطلب الرزق والعمل فينفع نفسه، وينفع مجتمعه بدلًا من الفراغ القاتل الذي يعانيه بعض العاطلين عن الزواج.
والزواج تكثير للأمة المحمدية كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة) [1] .
وقد أدرك أعداء هذه الأمة خطر تكاثرها عليهم، فراحوا يعملون كل الأسباب التي تحدُّ من فيضان أعداد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكثرة الخصوبة البشرية فيها.
والزواج سبيل الصالحين، واتباع لسنة المرسلين، والانقطاع عنه، والزهد فيه شعار الجاهلين، وطريق المخفقين في حياتهم, قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد 38] ، وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن نفرًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- سألوا أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: (ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا! لكنى أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى) .
أمة العفاف والطهر، إن الزواج في الإسلام يقوم على قواعد راسخة لتحقيق غايات حميدة سامية، فهو ليس التقاءً آنيًا لقضاء الشهوة كما تفعل المخلوقات الأخرى، وإنما هو التقاء دائم لإنشاء لبنة ناصعة جديدة في جدار المجتمع النقي، وعشرة سعيدة، سلوكها المعروف المتبادل, قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء 19] . وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} [البقرة 228] .
(1) رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وهو صحيح.