فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 773

ثم كذلك ما الذي ذكره بعد غض البصر؟ إن الذي ذكره وعطفه على غض البصر هو حفظ الفرج؛ ليدل على أن أول طريق حفظ الفرج غض البصر, فمن أطلق بصره في الحرام يُخش أن يطلق فرجه فيه.

والنظر المحرم زنا كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (فزنا العينين النظر) [1] .

أيها المسلمون، إن نظر الفجأة من غير تعمد مع صرف البصر عند حصوله ليس فيه إثم, إنما الإثم والحرج في تكرار النظر وتحديقه ومتابعته, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: (يا علي، لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى-أي: لا إثم عليك فيها- وليست لك الآخرة) [2] أي: تؤاخذ على النظر بعد الفجأة لو فعلت. على النظر وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) .

عباد الله، إن النظر المحرم سواء كان المنظور إليه بذاته الحقيقة أم صورت له صورة ثابتة أو متحركة في التلفاز أو الجوال أو السلع التجارية أو نحو ذلك كلها تأخذ حكم الحرمة, بل قد تكون الفتنة بالصورة أشد؛ لدوامها وقيام المحسنات والمجملات على تلك الصور.

أيها الناس، إن لله تعالى حِكمًا فيما حرم على عباده، عرفنا ذلك أو لم نعرفه, وكل ذلك في مصالح العباد العاجلة أو الآجلة أو كليهما, وقد نظر العلماء إلى كتاب الله وسنة رسوله وفي الواقع فرأوا حكمًا كثيرة لهذا التحريم.

يقول ابن القيم رحمه الله:"والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده".

وقال القرطبي رحمه الله:"البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طريق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه".

ويكفي في هذا قول الله: (ذلك أزكى لهم) , فإنها جملة جامعة لقلة المبنى وسعة المعنى، وعموم الفائدة والنفع.

إخواني الكرام، إن النظرة المحرمة تجيء بسبب ضعف الإيمان بالله ووعيده، وقلة الخوف وضعف مراقبة علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

(1) متفق عليه.

(2) رواه أحمد وأبو داود، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت