فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 773

أيها المسلمون، سِيق الحديث في الخطبة الأولى عن النجاح الدنيوي النافع الذي يشترك فيه المسلم والكافر، والبر والفاجر، وهو نجاح محدود في حجمه وصفته، وزمانه ومكانه، ونتائجه وآثاره، وهو نجاح -أيضًا- قد يكون فيه بعض الضرائب التي يدفعها الناجح من وقته وقوته، وماله وجهده، وهذا لابد منه، غير أن هناك ضرائب أخرى تكون ثمنَ النجاح إذا نبت في أرض قوم يكرهون النجاح والناجحين، فقد تصل نتيجة النجاح إلى خوف المبدع على حياته، وذهاب جهوده إلى غيره أو قتل طموحه وهو على وشك الشروق والظهور، وعند ذلك يكره نجاحه واليوم الذي ولدت فيه تلك الفكرة، وقد يُسلِم نفسه في النهاية إلى الكبت والأمراض النفسية أو الموت عل سرير القهر والندم على جريمة النجاح! وهذه أمور واردة على بعض النجاحات وبعض الناجحين وليست على الجميع.

لكن هناك نجاح من نوع آخر يُحاط بالعناية الإلهية، والسعادة الأبدية، لا يلحقه خوف ولا ندم، ولا حزن ولا كدر، هو النجاح الأخروي، والقيام الصادق بالمهمة التي خُلق لأجلها الإنسان، فالفلاح والفوز الحقيقي إنما يكون لمن نجح في هذا المجال.

يقول تعالى في بعض مفردات هذا النجاح: بسم الله الرحمن الرحيم،

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {7} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {10} الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {11} [المؤمنون 1 - 11] .

إن نجاح الأمة الحقيقي-يا عباد الله، في هذه الدنيا يوم تحكِّم شريعةَ الله في الأرض، وليس النجاح حينما ترفع راية محاربة دينه، وإقصاء شريعته في حكم الناس.

قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور 52] .

فالنجاح الحقيقي يكون بالعمل بطاعة الله أمرًا ونهيًا، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة 20] .

والنجاح الحقيقي حين تُؤثر الآخرة على الحياة الدنيا، فعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: كنت قد هممت بالخروج مع رسول الله فصدني فتيان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت