وسماوته هل رأيتم في خلقه من فطور، أو شاهدتم في فعله من قصور، سبحانه جل جلاله وعم فضله ونواله.
إن العلم بالمعاني الماضية عن الله تعالى توجب خشيته تعالى والخوف منه؛ ولذلك كان العلماء العاملون أخشى الناس لله تبارك وتعالى، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر 28] .
إن خشية الله تثمر تعظيمه على كل معظَّم، وتقديمه على كل مقدَّم، وطاعته وترك معصيته، والانصياعَ لأوامره، والانكفاف عن زواجره.
وهي تثمر الإقدام على العمل الصالح واتقانه، واستصغاره في جانب الله وإخفاءه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ 57} وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {58} وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ {59} وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ {60} أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ {61} [المؤمنون 57 - 61] .
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله، {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا، يا بنت أبي بكر، أو يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو يخاف أن لا يتقبل منه، أولئك الذين يسارعون في الخيرات [1] .
عباد الله، هؤلاء الذين يخشون ربهم لا يخشونه في العلن دون السر، وإنما يجمعون بين خشية الظاهر والباطن، بل الباطن أشد قال تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس 11] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، و منهم: ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) [2] .
فما جزاء الخاشين معشر المسلمين؟. من جزائهم: غفران ذنوبهم وعظم أجورهم.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك 12] .
أما الذين لا يخشون الله تعالى فما أسرعهم إلى عصيانه وانتهاك حرماته، وعدم تقديره حق قدره، وما أبطأ خُطاهم إلى طاعاته، والمنافسة على قرباته.
(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.
(2) متفق عليه.