أيها المسلمون، ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (و أسألك كلمة الحق في الغضب و الرضا) .
ما أكثر الباطل بين الناس! وهنا يبرز دور الحق وقول الحق في المواجهة والتغيير. فالجهر بالحق في وجه الباطل يزعج الباطل؛ لأن الباطل لا يريده، ولا يحب أن يصده عن إفساده شيءٌ. وقول الحق -ابتغاء وجه الله- لا يستطيعه كل أهل الحق؛ لأن كلمة الحق مرة،؛ فقد تذهب بإسماعها المصالحُ، وتجيء المكاره والمضار، فتقف الرغبة والرهبة حاجزًا دون الإعلان والإبلاغ. لكن أصحاب النفوس العظيمة الذين ينظرون إلى الدار الآخرة من وراء كلماتهم لا يستهويهم الترغيب؛ فما عند الله خير لهم وأبقى، فلا يخيفهم الترهيب، مادام أن أرواحهم وآجالهم بيد الله، ولن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وإن أُصيبوا فما أحسن التضحية في جنب الله تعالى، وأحلى عاقبتها!
إن الإنسان له حالان: رضا وغضب، ففي حال الرضا يجب على المسلم أن يفعل الحق وينطق به، فإن رأى منكرًا نهى عنه، أو معروفًا أمر به، ولا يسكت -في حال قدرته- عن النطق أمام الباطل، مهما كانت منزلة صاحب الباطل: أميرًا أو وزيرًا، عظيمًا أو حقيرا. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه و سلم بسبع: (وذكر منها: وأن أقول الحق وإن كان مرا ... ) [1] .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ألا لا يمنعن أحدَكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم) [2] .
وعنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إن الله جل وعلا ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنه ليقول له: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره! فإذا لقن الله عبدًا حجته يقول: يا رب، وثقت بك، وفرَقتُ من الناس) [3] .
فالعبد المؤمن في حال رضاه لا يداهن، ولا يرائي، وإن حكم وقضى لا يميل إلى طرف ظلمًا في قضائه وحكمه، بل يصدع بالحق ولو شدخ رؤوس أهل الباطل، ولكن بعلم وحكمة.
أما في حال الغضب فإن الغضب متى قويت ناره والتهبت أعمت صاحبها وأصمته عن كل موعظة حتى يغلي دم الإنسان لطلب الانتقام، لكن المؤمن لا يميل عن العدل والحق ولو في حال غضبه.
(1) رواه البيهقي وابن حبان والطبراني، وهو صحيح.
(2) رواه أحمد والطبراني، وهو حسن.
(3) رواه أحمد وابن حبان وابن ماجه، وهو صحيح.