وكما أمره بالإنفاق نهاه عن الإمساك والبخل، وهو: حبس المال عن الحقوق الواجبة، والنفقات المأمور بها كالزكوات وحقوق من يعولهم الإنسان، أو إمساك المال عن بذله في الخير وادخار الأجر ليوم الحاجة إليه: يوم القيامة.
فمن أمسك فعلى نفسه جنى قال تعالى: {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} [محمد 38] .
وليبشر البخيل بحادث أو وارث، كما قيل.
فمن سار -عباد الله- على هذا الطريق المعتدل منفقًا في غير سرف، وممسكًا من غير حرمانِ حقٍّ، أو تقتير- فقد أصاب الحق وأخذ بزمام القصد يقول تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء 29] .
قال كعب بن مالك رضي الله عنه:"إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: (أمسك بعض مالك؛ فهو خير لك) [1] ."
فالاعتدال الاعتدال عباد الله تبلغوا.
أيها المسلمون، ثم يسترسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سؤال ربه، وتعليم أمته فيقول:) وأسألك نعيمًا لا يبيد، وقرة عين لا تنقطع).
إن هذه الدنيا خُلقت للفناء ولم تخلق للبقاء, ما فيها زائل، ومقيمها مرتحل، وإلى دار الخلود منتقل, دار مشوبة بالغصص، ونعيمها مخلوط بألم الحاجة قبله، والكدر بعده، وعدم التمام والكمال أثناءه. فما أجهل من اغتر بدار هذه حالها، وإلى ذلك المصير مآلها. وكما قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف 45] .
من أراد النعيم المقيم الذي لا يتكدر فليس في هذه الحياة، وإنما هو في جنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف 71] .
قال النبي صلى الله عليه و سلم: (ينادي منادٍ إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا
(1) متفق عليه.