فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 773

فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز و جل: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف 43] [1] .

فمن الغبن الفاحش -معشر المسلمين- أن يؤثر امرؤ الشهواتِ المحرمة في دنياه على ما أعد له مولاه في أخراه لو تركها، أو يركن وينقطع إلى الشهوات المباحة في حياته ويغفل أو يتغافل عن مثيلاتها في آخرته بعدم الاستعداد للظفر بتلك الملذات التامة، وما في الدنيا إلا نماذج وعينات لما في الاخرة.

أيها المسلمون، بعد هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (و أسألك الرضا بعد القضاء) .

حينما يبلغ الإيمان الصادق بصاحبه منزلة راقية يلاحظ عند نزول البلاء به حكمة المبتلي جل وتقدس، وخيرته لعبده في ذلك الامتحان، وأن الله غير متهم في قضائه وقدره.

فينزل حينئذ على قلبه نعيمُ الاطمئنان والرضا، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساسَ بالألم بالكلية، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [2] .

والحياة الطيبة والعيش الهنيء حاصلان بالرضا بأقدار الله وأقضيته، قال بعض السلف في قوله تعالى:" {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل 97] . قال: الرضا والقناعة", وقال غيره في قوله تعالى:" {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن 11] ،قال: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى".

فإذا نال العبد المسلم الراضي هذا النعيمَ العظيم في الدنيا -وهو يعرف أنها وأنه عما قريب إلى ارتحال- استشرف إلى دار العيش الحقيقي إلى الجنة؛ فإنه العيش الكامل، وما سواه ظل زائل، وحالٌ حائل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم، لا عيش إلا عيش الآخرة) [3] .

والعيش في الجنة فيه الراحة والرَّوح المنزه عن المنغصات؛ ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا قائلًا: (و أسألك برد العيش بعد الموت) .

(1) رواه مسلم.

(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.

(3) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت