وجوهنا، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم) [1] .
فيا لها من لذة ما أعظمها! ويا لها من ساعة ما أكرمها! وياله من موعد ما أحبه! وياله من جزاء ما أحسنه! نسأل الله من فضله.
لقد عبده المؤمنون به في الدنيا بالغيب ولم يروه، فأحبوا رؤية معبودهم ومحبوبهم، فكان من إكرام الله لهم أن تجلى لهم فرأوه عِيانًا يوم القيامة، وهذا هو الحق: أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الآخرة يقول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة 22 - 23] .
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم عيانًا يوم القيامة) [2] .
وأما الكفار -فلكفرهم وجحودهم- فكانوا حقيقين أن لا يُكرموا برؤية ذي الكمال والجمال جل وتقدس، يقول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15] .
قال الشافعي رحمه الله:"لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا".
أيها المسلمون، ويتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء قائلًا: (وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، و لا فتنة مضلة) .
إن من لوازم الرؤية: اللقاء، فكم قد طال بالمؤمنين الشوق، وبرَّح بهم الانتظار، وطول السفر. وفي أثر إسرائيلي:"طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوق".
وقال تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت 5] .
قال بعض العارفين:"لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه ضرب لهم موعدًا للقاء، تسكن به قلوبهم".
لقد جعل الشوقُ المشتاقين يتحملون الآلآم والمشاق، ويؤدون ما فرض عليهم إلى تبلغ الروح التراق، ويتجنبون ما نهوا عنه، حتى الممات والفراق.
(1) رواه أحمد وابن حبان والطبراني، وهو صحيح.
(2) رواه البخاري.