فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 773

فهذا وازع القرآن-أي: المانع الشرعي-، وأما وازع السلطان فهو وجود هيبة الدولة في قلوب الرعية حينما تقوم الحكومة بمسئوليتها في استتباب الأمن وفرض القوة بالعدل في كف الناس عن الجناية، والصرامة والعقوبة الرادعة في حق الجناة المؤذين.

عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل، فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر رضي الله عنه: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب - والله - ما كنت أجد في رأسي، فقيل: إنه لم يتكلم ببدعته مدة بقاء عمر فلما مات عمر رجع إلى بدعته، والله أعلم.

فهذا وازع السلطان، فمن لم يرده عن آذاه وازع القرآن؛ لضعف إيمانه، وتأخر عقوبته، رده هذا الوازع: أي حزم الحكم وشدته في الحق.

قال عثمان رضي الله عنه:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه:"إذا وليتم فلينوا للمحسن، واشتدوا على المريب؛ فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن".

فإذا غاب من قلوب العباد هذان الوازعان فماذا ستكون النتيجة؟

إن النتيجة: أن يقهر القوي الضعيف، ويبطش القادر بالعاجز، ويستذل الغني الفقير، ويصبح الناس كحال الغنم غاب راعيها ولا مبيت لها ولا حمى، وهي مبعثرة بين ذئاب جائعة لم تذق ذواقًا مدة من الزمن.

فعلى أهل الأذى أن ينتهوا ويرعووا، ويؤبوا إلى رشدهم ويرجعوا، ويتذكروا وقوفهم الذليل بين يدي العظيم الجليل يوم القيامة. {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج 10] .

فقد يُمد للمؤذي حبل الإمهال فلا يظنن أن الله غافل عن أذاه، فليستنقذ نفسه من شرَك الغفلة في زمن المهلة، ففي الحياة الدنيا متسع لرجوع المذنبين، وعودة المؤذين، مهما عظم الأذى، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.

ونقول للداعمين للمخربين والمؤذين لعباد الله بالمال والسلاح ما قلنا لسامعي قولهم، ومنفذي جريرتهم، وأن يستغلوا ما أنعم الله عليهم من مال وجاه فيما ينفع لا فيما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت