إن الحاسد يعيش في حزن و غم وهم واكتئاب ومصائب لا يؤجر عليها، يحترق داخله عندما تكون عيونه في جنة مما يرى من نعمة المحسود وقلبه في نار حينما حرم ذلك.
والحاسد أفراح الناس لديه مآتم، وابتساماتهم شهب تحرق فؤاده، وصحتهم رسل مرض إلى جسده، وراحتهم تعب عليه. فمسكين هذا الحاسد مدنف القلب والروح والجسد ليس له دواء حتى يستيقظ ويرى نعمة محسوده وقد ذهبت فذلك شفاؤه الذي يتمناه.
هذا المريض يعيش في سجن ضيق كأنما يتنفس من ثقب إبرة، فلا تسمع منه إلا الآهات والزفرات، ولا ترى عليه إلا سحائب الظلمات تلوح على وجهه؛ لما يرى أصحاب النعمة وهم يرفلون فيها.
عباد الله، إن الحاسد معترض على نعم الله تعالى أن تصل إلى عباده، وهذا سوء أدب مع الله عز وجل.
ألا قل لمن كان لي حاسدًا ... أتدري على من أسأتَ الأدب
أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فجازاك ربي بأن زادني ... وسدَّ عليك وجوه الطلب
الحاسد يخرب عيشه بنفسه، وقد يخرب دينه وآخرته، فيظل طائش الفكر، مشغول القلب بما لا يعنيه ولا ينفعه. وربما ساقه الحسد إلى التضجر والتسخط على الله تعالى فيفوه بعبارات قد توصله إلى الكفر.
أيها الأخوة الكرام، إن الحسد يمزق المجتمع ويفرقه، ويزرع فيه الشحناء والضغينة، قال النبي صلى الله عليه و سلم قال: (دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السلام بينكم) [1] .
والحسد ذنب ينبت ذنوبًا أخرى فقد يحصل به: غيبة ونميمة، وتجسس وسوء ظن، وإيذاء وشتم ووقيعة، وقد يصل إلى القتل. كما فعل ابن آدم بأخيه.
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ 27} لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي
(1) رواه أحمد والترمذي، وهو حسن.