مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ {28} إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ {29} فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ {30} فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ {31} [المائدة 27 - 31] .
وكما حاول إخوة يوسف عليه السلام ذلك، فحال الله بينهم وبين ما يشتهون.
عباد الله، إن الحسد ينافي الإيمان؛ لأن الإيمان يأمر صاحبه بالتسليم لأفعال الله. فلو حسد العالم أو العابد أو الصالح فإن ذلك يدل على ضعف إيمانه؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد) [1] .
الحسد يمنع قبول الحق والإذعان له إذا جاء من المحسود، بل يحاول الحاسد أن يتمحل حججًا واهية ليبطل بها ذلك الحق الناصع، لا لأنه حق، وإنما لكونه جاء ممن يحسده، ولو جاء من غيره لقبله، وهذه آفة خطيرة خاصة بين العلماء وطلبة العلم.
لقد كان اليهود يعلمون أن محمدًا عليه الصلاة والسلام نبي الله حقًا، لكن حينما جاء من غيرهم -أي: من العرب- كفروا به بغيًا وحسدًا. قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء 54] .
أيها المسلمون، الحسد مرض، ولكل مرض علاج، فمن علاجه: أن يقوي الحاسد إيمانه بالله تعالى وقضائه وقدره، ويرضى بما قسم الله له، ويكثر من الطاعات والقربات. ويلجأ إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع بين يديه؛ ليزيل عنه هذا الداء.
وعليه أيضًا: أن يفكر في نتائج الحسد وعواقبه الوخيمة؛ فالإنسان العاقل لا يقدم على ما يجلب له التعب والضرر.
وعلى الحاسد أن ينظر بعين التأمل إلى ما أعطاه الله تعالى من النعم؛ فإنه لو نظر جيدًا سيجد أن لديه نعمًا كثيرة قد لا توجد عند غيره. فقد يحسد فقير غنيًا ولا يدري ذلك الفقير أنه أحسن منه صحة وأتم عافية وهدوء بال. وقد يحسد إنسان ليست له وظيفة مرموقة أو مسؤولية عالية من نالها في المجتمع، ولا يعرف ذلك الحاسد أنه في أمن واطمئنان وسرور وانشراح صدر أفضل من ذلك المسؤول أو الموظف الكبير.
(1) رواه ابن حبان والبيهقي، وهو حسن.