فقد أنبت الله به النبات الذي هو قوام حياة الإنسان والحيوان، وأحيا به الأرض بعد موتها، فأصبحت مشرقة بعد جدوبها، مبتهجة بعد عبوسها، متزينة بالاخضرار بعد الاسوداد والكآبة، فبعثت في النفوس الانشراح والارتياح، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم 24] .
وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت 39] .
وهذه آية تستحق النظر والتأمل، والشكر لواهبها، قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ 24} أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا {25} ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا {26} فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا {27} وَعِنَبًا وَقَضْبًا {28} وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا {29} وَحَدَائِقَ غُلْبًا {30} وَفَاكِهَةً وَأَبًّا {31} مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {32} [عبس 24 - 32] .
أيها المسلمون، لقد كان من حكمة الحكيم الخبير الذي يعلم أحوال عباده ويطلع على قلوبهم وأعمالهم: أن ينوع لهم الأحوال ولا يبقيهم على حال واحدة؛ فيطغوا أو يقنطوا، بل يبتليهم بالسراء والضراء والشدة والرخاء والخصب والجدب؛ لعلهم أن يرجعوا إلى ربهم، فمن لم يتب في حال الرخاء فعساه أن يتوب في حال الشدة. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء 35] .
وكم من إنسان انتفع بالضراء ما لم ينتفع في السراء، وأفادته المحنة ما لم تفده المنحة.
قد ينعم الله بالبلوى ولو عظمت** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلو بقي الإنسان في النعمة دائمًا لنسي قدر النعمة وشكرَ المنعم واللجوء إليه، فالنعم قد تبطر بعض الناس وتجعله متكبرًا على ربه، فيأتي سوط البلاء ليرد العبد إلى معبوده، والمخلوق إلى خالقه، والمولى إلى سيده. فتصرّفُ الأحوال يعيد الشاردين إلى باب ذي الرحمة والإفضال. قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى 27] .
إننا في هذه الأيام- عباد الله- نعاني أزمات متعددة، ومن هذه الأزمات: أزمة القحط وقلة الأمطار. لقد أصبحت الأرض مكفهرة عابسة، غبراء قاتمة، ترسل للعيون الضيق والحزن، وغدا الجو مشحونًا بالكآبة متشحًا بالأسى، فأضحت النفوس ضيقة كئيبة.