فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 773

لقد حل بلاء الجدب لكي يظهر العباد افتقارهم إلى ربهم، ويبتهلوا بين يديه، ويعلموا أن ضرهم لا يكشفه عنهم إلا مولاهم، بإظهار فقرهم للغني الحميد. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر 15] .

وقال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أَهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) [1] .

إن بعض الناس قد لا يدرك هذه البلية؛ لغفلته عن شكر نعمة الغيث النافع، ولظنه أن نفع المطر إنما هو لأهل المواشي والزروع، وسكان البوادي والقفار، ولا يدري أن أكله وشربه وصلاح بيئته قائم على نعمة الأمطار. فلا صلاحَ لعيش الناس في أي مكان كانوا إلا بالمطر، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} [الملك 30] .

أيها الأخوة الكرام، إن الله رحيم بعباده، كريم في عطائه، قادر على غوث خلقه وإزالة بلواهم، لكنه يحب أن يعلمهم أن طاعته سبب كل خير، ومعصيته سبب كل شر.

إن تأخر المطر عن ميعاده، مع شدة الحاجة إليه له أسبابه، فما هي أسباب حبس المطر عنا -يا عباد الله- ونحن في موسمه الذي ينزل فيه؟

لقد انحبس الغيث عن الأرض حينما جفت القلوب من غيث الإيمان، وفاضت بالاعتماد على غير الله، واليقين بمن سواه، ورجاء غيره، ونسيان حقه.

وصارت مملؤة بالأحقاد والحسد، والأضغان والكراهية الممقوتة، والرغبة في الدنيا والحرص عليها، ولو أدى ذلك إلى ترك الدين الحق وخسارة الآخرة.

وحبس المطر لأن الألسنة جفت كثيرًا عن ذكر الله وشكر نعمة الغيث وآثاره، وأصبحت رطبة بذكر الدنيا، وعبارات اليأس والقنوط، والكلام في أعراض المسلمين أحياء وأمواتا.

قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم 7] .

وحبس المطر لأن الأرض صارت تشكو إلى ربها تخمتها من ذنوب بني آدم، فبساط المعصية مازال ممدودًا بين الناس فمستقل منه ومستكثر.

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت