فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 773

ألا وإن من أعظم المعاصي: ظلم العباد بعضهم بعضا، فكم من دماء تسيل بغير حق، وكم من أعراض تنتهك، وكم من أموال تمتد إليها أيادي الناس بالحرام.

لقد غدت المعاصي أعمالًا شريفة يجاهر بها أهلها ويدعون الناس إليها، وهذا عنوان الهلاك للمجتمعات المسرفة على أنفسها، أو للساكتين عن وعظ المسرفين معذرة إلى الله ولعلهم يرجعون.

حتى لقد تضررت بمعاصي بني آدم الحيوانات فحرمت الغيث الذي ينبت لها رزقها.

قال عكرمة رحمه الله:"دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم".

وانحبس المطر لأن بعض أرباب الأموال التي وجبت فيها الزكاة لم يؤدوا زكاة أموالهم؛ حرصًا على الدنيا، وضعف يقين بما عند الله من الأجر والعوض.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (و لم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، و لولا البهائم لم يمطروا) [1] .

أليس من الإثم والعيب أن يكون بنو آدم سبب انقطاع الغيث، وتكون البهائم سبب نزوله؟!

وانحبس الغيث لأن الغش والخداع في البيع والشراء كثر واستشرى، وصار ظاهرة من الظواهر التي تقضي على اقتصاد المجتمعات المسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذِوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم) [2] .

وهذه الآثار كلها واقعة هذه الأيام، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

أخوتي الكرام، إذا أردنا أن يغير الله ما بنا من الشدة واللأواء فلنغير ما بأنفسنا من شر إلى خير ومن معصية إلى طاعة، ومن إعراض عن الله عز وجل إلى إقبال عليه.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال 53] .

فلنعمر قلوبنا وحياتنا بالإيمان والتقوى، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف 96] .

(1) رواه الطبراني وابن ماجه، وهو حسن.

(2) رواه الطبراني وابن ماجه، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت