فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 773

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه) [1] .

وقال صلى الله عليه و سلم: (يطلع الله عز و جل على خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه الا لمشرك أو مشاحن) [2] .

فهل من سامع يعي، وطالب مغفرة ينتصر على نفسه وهواه فيقبل على تصفية قلبه من الشرك والأحقاد-إن كانت فيه- ويمد يد المحبة إلى إخوانه المسلمين؟

عباد الله، من القربات التي ينبغي الحرص عليها والمبادرة إليها في هذا الشهر: الإكثار من قراءة القرآن الكريم، وترطيب الألسنة بآياته، وترقيق القلوب بحلاوة تلاوته، وتنوير العيون بالنظر إليه، وفتق العقول بتدبر معانيه.

قال سلمة بن كهيل رحمه الله:"شهر شعبان شهر القراء"؛ وذلك أن قراءة شعبان لها أثر على قراءة رمضان إكثارًا وسهولة، وحلاوة وفهما.

وكان بعض السلف إذا دخل عليه شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.

أيها المسلمون، هناك ليلة من ليالي شعبان يدور حولها جدل كل عام، وهذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان، حيث وقعت هذه الليلة بين غالٍ بالغ فيها حتى خرج عن المشروع، وجافٍ لم يعرف لها قدرًا ولم يجعل لها منزلة تخصها عن بقية الليالي فحرم نفسه فضلها وخيرها، والحق خلاف هذين القولين.

فالغالون في هذه الليلة عظموها تعظيمًا غير مشروع، حتى خصوا نهارها بصيام دون بقية الأيام، وليلها بقيام دون سائر الليالي، مع احتفالات وأعمال دينية محدثة، ويستدلون على ما يفعلون بأحاديث موضوعة وأعلى درجتها-لو خرجت عن الوضع- الضعف.

ويزعمون أنها الليلة المباركة التي تكتب فيها الأرزاق والآجال. والصواب أن الليلة المباركة إنما هي ليلة القدر من رمضان، قال تعالى: {حم 1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ {3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ {4} أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ {5} رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {6} [الدخان 1 - 6] .

وإنزال القرآن-كما هو معلوم- لم يكن إلا في ليلة القدر من رمضان، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر 1] .

وأما الجافون فزعموا أنها ليلة كغيرها من الليالي التي ليس لها مزية أو فضيلة تختص بها.

والصواب أن هذه الليلة ليلة فاضلة لها ميزة على غيرها ورد فيها الحديثان السابقان اللذان بينا أن ليلة النصف من شعبان ميعاد لتفضل الله بمغفرة الذنوب لعباده الموحدين الذين طهروا قلوبهم من الشرك ومن الحقد والشحناء.

ولكن هذا الفضل لا يعني أن نحدث فيها ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم.

قال ابن تيمية رحمه الله:"وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان من السلف من يصليها، لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة، والله أعلم".

(1) رواه البيهقي، وهو حسن.

(2) رواه الطبراني وابن حبان والبزار، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت