فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 773

نصبك)، رواه الحاكم. ألا وإن من العبادات الشاقة في أيام الصيف: عبادةَ الصيام وإنما صارت شاقة؛ لشدة حرارة النهار وطوله، لكن السابقين إلى الخيرات، والراغبين في الأجور والحسنات، يتحملون المشقة في الدنيا ليجدوا الراحة في الآخرة، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام في الصيف فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، حتى أن الرجل ليضع يده على رأسه في شدة الحر، وما في القوم صائم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم وعبد الله بن رواحة) رواه مسلم، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (صوموا يومًا شديدًا حره، لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور. ومن حرص أبي بكر رضي الله عنه على الخير والأجر أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء، ووصى عمر رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله فقال له: عليك بخصال الإيمان، وسمى أولها: الصوم في شدة الحر، ولما حضرت معاذًا الوفاةُ كان يتأسف على الصيام في شدة الهواجر. فرضي الله عنهم ما كان أرغبهم في الآخرة، وأزهدهم في الدنيا!. نزل الحجاج بماء بين مكة والمدينة فدعا بغدائه ورأى أعرابيًا فدعاه إلى الغداء معه فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت، قال: في هذا الحر الشديد! قال: نعم، ليوم أشد منه حرا. فهنيئًا للصائمين بعظم الأجر، الذين آثروا الجوائز الموعودة على الملذات الموجودة، { .. وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الأنعام 32]،

عباد الله! تحية إكبار وإعظام، وحروف ثناء وإجلال لأولئك النسوة العفيفات الكريمات اللاتي يحافظن على حجابهن وسترهن في شدة القيظ وعواء الهجير في فصل الصيف، إنما حبسهن عن إبداء المحاسن خوف العليم الخبير، والحياءُ وحب الحشمة طلبًا للأجر، وخوفًا من الوزر، وحرصًا على الستر، خلافًا لتلك النساء اللائي يختصرن الحجاب ويتلاعبن به ويبدين ما أمر الله أن يخفى عن عيون الأجانب، فشتان بين الفريقين: بين اللاتي يردن الله والدار الآخرة فتجشمن التحجب كما أمرت الشريعة، وبين أولئك اللاتي يفرحن بقدوم الصيف ليعرضن المحاسن والمفاتن دون رادع من حياء، ومانع من قريب غيور، ودون خوف من الذي لا تعزب عليه خفيات الصدور.

أيها المسلمون! في الصيف تضحك الأرض حينما تبكي السماء بالأمطار وهطول الغيث المدرار، الذي يرحم الله به العباد والبلاد والشجر والدواب. فتبتسم به الأرض بعد عبوسها، وتكتسي بعد عُريها، وتبتهج بعد شقائها، وتنتج بعد عقمها، وتحيا بعد موتها. قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} الحج 63]، إن المطر مظهر كبير من مظاهر رحمة الله بعباده،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت