الميسرة والمؤثرة فرصة؛ فلا تضيعن منك هذه الغنائم وتمر عليك وأنت نائم غير مكترث بها.
يا أهل الحجا، إن العقل إذا اكتمل واتسع عرف صاحبه كيف يخرج من المضائق، ويفك عنه قيد المآزق، وكيف يتعامل مع المواقف الشديدة التي تطيش فيها الأحلام، فينقُب عقله الوقاد جُدد الأزمات وحصونها العتيدة ليصل إلى مخارج من قبضتها وشقائها بالأسباب المباحة والوسائل الصحيحة المتاحة.
فقبيل غزوة بدر خرج رسول الله عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر رضي الله عنه يستطلعان أمر قريش، حتى وقفا على شيخ من العرب، فسألاه عن قريش، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش. فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه. فظل الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟. فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم التورية خروجًا من الكذب، ومحافظة على الأسرار الحربية.
أيها المسلمون، إن العقلاء من الناس: مسلمهم وكافرهم متفقون على وجوب حماية العقل من كل ما يخرجه عن الاستقامة الفطرية؛ حتى لا يصير سيء التصرف يجني به على نفسه وعلى غيره.
فلقد حافظ الإسلام على العقل البشري محافظة شديدة، واعتنى به اعتناء بالغًا؛ لأنه مناط استقامة دنيا الإنسان ودينه، وسبب للسلامة في المجتمعات.
فقد حرم على صاحبه كل المفسدات العقلية الحسية والمعنوية. فالمفسدات الحسية هي التي تؤدي إلى الإخلال بالعقل حتى يصبح الإنسان كالمجنون لا يعرف الضار من النافع، ولا الزوجة من الأم أو البنت. وهذه المفسدات العقلية الحسية هي الخمور و المخدرات وما قام مقامها. وقد جاء النص على تحريم الخمر ويقاس عليه ما ماثله في الإسكار أو زاد عليه أو نقص، جاء ذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة 90 - 91] .