وفعل الأسباب الشرعية لا يقدح في التوكل، وإنما يربي النفس على البذل والحركة النافعة، فرسل الله وصالحو عباده أُمروا بفعل سبب الرزق، ودفع الهلكة عن أنفسهم، قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} الفرقان 20، قال بعض المفسرين: أي: يتجرون ويحترفون.
وقال الله لموسى عليه السلام: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} الشعراء 63, وهو تعالى قادر على فلق البحر دون ضرب العصا.
وقال لمريم رحمها الله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} مريم 25, وهو سبحانه القادر على إسقاط الرطب دون هز.
أيها المسلمون، ومن أسباب جلب الرزق: الجهاد في سبيل الله تعالى, روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، و جعل رزقي تحت ظل رمحي) . وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الأنفال 69
ومن مفاتيح الرزق: الصدقة والإنفاق في وجوه الخير. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} سبأ 39, وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك) . وقال صلى الله عليه وسلم لبلال: (أنفق بلال، و لا تخش من ذي العرش إقلالا) [1] .
شكر النعم يحفظ الرزق الموجود ويجلب إليه المزيد، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إبراهيم 7,
ومن تلك الأسباب الجالبة للرزق: الزواج من أجل العفاف، قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} النور 32, قال عمر رضي الله عنه:"عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح! وقد قال الله تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} !", وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) [2] .
(1) رواه البيهقي وأبو يعلى، وهو صحيح.
(2) رواه الترمذي والبيهقي، وهو حسن.