وفي رمضان من العام الثالث والثلاثين بعد المئتين من الهجرة فتح المسلمون مدينة عمورية، أيام حكم الخلافة العباسية.
وفي رمضان من العام السادس والستين بعد الستمائة من الهجرة انتصر المسلمون على الروم في أنطاكية.
وفي رمضان من السنة الثامنة والستين بعد الستمائة من الهجرة نصر الله المسلمين على التتار في معركة عين جالوت الشهيرة التي كانت سدًا منيعًا أمام عزم التتار على اكتساح بلاد المسلمين وإذلالهم.
أيها الصائمون، إن عدو الإسلام والمسلمين لا يكبح جماح بطشه واعتدائه إلا قوةٌ تواجهه، وجهاد يوقف مدَّ ظلمه وصده عن الحق. ولا يمكن أن يكون الذل وتقديم التنازلات الدينية والدنيوية سبيلًا إلى احترام المسلمين ومنع الصيالة عليهم، و الكف عن تدنيس مقدساتهم وكرامتهم، وهضم حقوقهم بين الناس.
فلا حل لمواجهة القوة الظالمة إلا تحرك القوة العادلة، ولا رد لتيارات الإذلال الهادرة إلا موانع من العزة والكبرياء التي لا تعرف الوهن، أما من استمرئ القهر فلا يبالي.
من يهن يسهل الهوان عليه* ما لجرح بميت إيلام
عباد الله، إن المسلمين الأوائل الذين ذاقوا طعم العزة لم يصلوا إليها إلا بعد كفاح ومهر غال بذلوه من دمائهم وممتلكات دنياهم، فهابهم العدو في عقر داره، ودفع الجزية عن يد وهو صاغر وهم في عقر دارهم، ولو أحبوا الدنيا كما أحبها كثير ممن تلاهم، وكرهوا المنايا في سبل الحق كما كرهها من وراءهم لصارت الأحوال متشابهة.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها) ، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن) ، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: (حب الحياة وكراهية الموت) [1] .
أيها المسلمون، إن الله تعالى شرع الجهاد في سبيله حفظًا للملة، وذيادًا عن النفوس والأعراض والأموال والحقوق المعصومة، وسن فيه قوانين عادلة تمنع من الجور مع العدو المحارب؛ ولذلك لا يوجد في الأرض كلها-و النصوص الشرعية
(1) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وهو حسن.