فهرس الكتاب
وذكر لنا ثبات سحرة فرعون بعد أن رأوا الحق فاستمسكوا به وثبتوا عليه مع وعيد فرعون وتهديده.
وذكر لنا ثبات أصحاب الأخدود الذين لم ترهبهم النار ذات الوقود. وغير ذلك من حديث الثابتين في القرآن الكريم. ليأتي التعليق بالحكمة من ذلك قائلًا: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود 120] .
أيها المسلمون، إن سيد البشرية محمدًا عليه الصلاة والسلام هو سيد الثابتين على الحق وقد اجتمعت له دواعي النكوص ترغيبها وترهيبها، لكنه لم ينصع لها ولم يستجب لها بتثبيت الله إياه. رُغِّب في الدنيا ورئاستها، ورُهب بالبلايا وصروفها كي يرجع عن الحق. فوضع ذلك كله تحت قدميه ومضى في طريق الحق ثابتًا.
جاء إليه وفد قريش فقالوا: يا محمد، إن كنت إنما تريد بما جئت به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كنت تريد بما جئت به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا .. إلى آخر ذلك الإغراء، فما كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإعراض عن ذلك كله.
وقالوا له: ساحر، كذاب، شاعر، مجنون، ثم توعدوه بالقتل، وحاولوا ذلك مرات عديدة، لكن الله حال بينهم وبين ما يشتهون. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30] .
فلما رأى صحابته الكرام ثباته عليه الصلاة والسلام ثبتوا لثباته في حياته وبعد مماته، وربما ثبتهم بقوله عليه الصلاة والسلام. فلقد مر على آل ياسر وهم يعذبون فقال لهم: (صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة) [1] .
وعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [2] .
(1) رواه الحاكم والبيهقي.
(2) رواه البخاري.