ما أشد سرورهم، ووفود التهنئة تستقبلهم على الأبواب تهنئهم بسلامة الوصول، وتفرش على طريقهم البشاشة بنيل المأمول، وتبشرهم بطيب الَمنزِل وكرم المُنزِل وراحة النازل، في أعلى المنازل، تقول: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 24، وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} الزمر 73 {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} الزمر 74
على تلك الأبواب المفتّحة تدخل أول زمرة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألّوة، أزواجهم الحور العين, أخلاقهم على خُلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء.
فإذا ولجوها يتجه كل منهم إلى منزله الذي أُعد له، يهتدي إليه ولا يخطئوه كأنه ساكنه منذ خُلِق لا يستدل إليه بأحد.
قال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} محمد 6, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقّوا وهُذِّبوا أُذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلُّ بمنزله كان في الدنيا) [1] .
وهل ذلك المنزل كمنازل الدنيا؟ لا والله.
قال النبي صلى الله عليه و سلم: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) [2] .
عباد الله، والمؤمنون في تلك القصور المشيدة معهم أهلوهم وزوجاتهم المؤمنات اللاتي كن معهم في الدنيا، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} الطور 21
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.