فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 773

وإن خرج هذا الغضوب إلى عمله فإنه بعيد عن الناس وهم بعيدون عنه؛ اتقاء لشره، وسوء أخلاقه، و (إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [1] .

هذا الغضوب تنقدح نار غضبه بأدنى مؤثر، فيلقي بشرره على غيره بدون تعقل وتفكر.

أيها المسلمون، هناك من الناس من هو معجب بنفسه، مزهو بما عنده من مال أو جاه أو قوة، فإذا عومل بأقل مما يريد سل سيوف غضبه وتهجمه على من لم يرفعه إلى المعاملة التي يرومها، خصوصًا إذا كان المغضوب عليه أقل شأنًا وحالًا.

إن الإفراط في المزاح والدعابة-بدون حدود وضوابط- قد يشعل فتيل الغضب بين المازحين، والكلمة تجر أختها فربما جاوزت الخطوط الحمراء.

وكذلك الفهم الخاطئ للشجاعة والرجولة والقوة يولد حب الغضب والتطبع عليه والتباهي بالاتصاف به، فأكثر الجهال عقلًا وفهمًا يسمون سرعة الغضب شجاعة ورجولية، وعزة نفس وكبر همة وقدرة على السيطرة. فاستحسنه هؤلاء الجهال خاصة إذا ذكر الآكابر في الدنيا وأنه من أخلاقهم.

ومن الخطأ الكبير أن صار معروفًا بين الناس أن الأب لا يكون مسموع الكلمة في البيت إلا إذا كان غضوبًا. والزوج لا يكون قوي الشخصية مع أهله إلا إذا كان شديد الغضب. والمدير لا يكون مهابًا بين الموظفين وناجحًا في إدارته إلا إذا كان من أهل الغضب والعبوس، لا يعرف إلا قانون العقوبة ونظام الشدة ولم يع أن الإدارة الناجحة إنما تكون بالحب وحسن المعاملة من غير ضعف أو غفلة، مع الأخذ بالغضب والشدة في ظرفها المناسب.

ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى

عباد الله، إن الغضب الشديد خلق ذميم، يجر على صاحبه وعلى الناس أضرارًا كثيرة.

فالغضب مرض خُلقي تظهر آثاره على الباطن بالحقد والحسد والكراهية، وعلى اللسان بالسب والشتم والقذف، وعلى اليدين بالبطش والانتقام. بحيث يصدر عن صاحبه تخبط في الحركات، واضطراب في الأقوال والقرارات.

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت