فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 773

قيل: إنه مكتوب في حكمة داود:"يا داود، إياك وشدة الغضب؛ فإن شدة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم".

إن الغضب-معشر المسلمين- بوابة لدخول الشيطان على الإنسان والتحكم فيه.

قال الحسن البصري رحمه الله:"أربع من كن فيه عصمه الله من الشيطان: من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب".

عباد الله، إن الغضب الشديد ليس من أخلاق الرجال الكاملين، وأهل الفضائل العاقلين، وإنما يتخلق به أهل اللؤم والعجز والنقص والضعف، فيعوضون عن عجزهم بسرعة غضبهم، ومما يدل على ذلك: أن المريض أسرع غضبًا من الصحيح، والمرأة أسرع غضبًا من الرجل، والصبي أسرع غضبًا من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضبًا من الكهل، وصاحب الخلق السيئ والرذائل أسرع غضبًا من صاحب الخلق الحسن ومحامد الفضائل.

ولذلك لا يملك نفسه عند الغضب إلا الإنسان العاقل القوي في نفسه وخلقه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (ليس الشديد بالصُرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [1] .

قال بعض الحكماء لابنه:"يا بني، لا يثبت العقل عند الغضب، كما لا يثبت روح الحي في التنانير المسجورة، فأقل الناس غضبًا أعقلهم".

أيها الأفاضل، إن الغضب يقضي على راحة الإنسان وسعادته وصحته إذا ما استبد به واستحكم على عقله، فيغطي الغضب على حواسه، ومعاقل تصرفاته، فيصير أعمى في صورة المبصرين، وأصم في صورة السامعين، ومجنونًا في صورة العاقلين. ولو رأى الغضبان صورته حال غضبه بعد ذهاب غضبه لاستعاذ منها.

وكما أن الغضب مضر بالعقل والبدن فإنه مضر بعبادة الإنسان وأحكام معاملاته أيضًا.

قال بعض العقلاء:"اتقوا الغضب؛ فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصَبِر العسل".

كتب أبو بكرة رضي الله عنه إلى ابنه بسجستان: أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان) [2] .

(1) متفق عليه.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت