فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 773

ومن هذا الحديث الشريف يستفاد أنه لا يجوز القضاء والحكم ولو بين الأولاد والتلاميذ حال الغضب؛ خشية الوقوع في الظلم ومآرب النفس الغضوب؛ لأن الغضب يذهب الفكر الصائب والنظر الثاقب.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أحد عماله:"أن لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه".

أيها المسلمون، ها هو الغضب قد مثل أمامنا وحشًا كاسرًا يفترس عقولنا وحسن تصرفاتنا، ويجر العقل إلى المهالك، وينحرف به عن أسلم المسالك، ويقرع البدن حتى يهده ويصيبه بالإعياء والعناء، ولم يكتف بذلك حتى أخرج العالم عن علمه، وجهّله في حكمه، وأبعد الحليم عن حلمه، وأسلمه إلى جهله وطيشه.

فلهذا كان لابد أن نبحث لهذا الداء عن دواء وشفاء، مع علمنا أن الغضب صفة طبعية في الإنسان، لا يمكن أن تزال عنه. لكن المقصود أن لا ينجر المسلم وراء الغضب، وأن لا يستجيب لدواعيه ومثيراته.

فإذا غُلِب الإنسان فعلاه الغضبُ فهناك أدوية مسكنة ومخففة تصرف الغضب عن الغضبان؛ لئلا تصدر عنه أعمال لا تحمد شرعًا وعقلًا.

فمن تلك الأدوية: الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم؛ لأن الغضب نزوة شيطانية.

فقد استب رجلان عند النبي صلى الله عليه و سلم فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير فقال النبي صلى الله عليه و سلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد) . فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه و سلم وقال: تعوذ بالله من الشيطان، فقال: أترى بي بأسًا! أمجنون أنا! اذهب. [1] .

ومن الأدوية: السكوت عند الغضب، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت) [2] .

ومما يداوى به الغضب: الوضوء أو الاغتسال؛ لأن الغضب حرارة وتلهب، ولا يطفئ ذلك إلا الماء البارد، جاء في الحديث: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) [3] .

(1) متفق عليه.

(2) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

(3) رواه أحمد وأبو داود، وهو ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت