غير أن الطلاق في تلك الأمم والديانات تختلف أسبابه التي تشرعه، ويختلف في عدده وفي الجهة التي لها الحق فيه، وفي الآثار الحكمية المترتبة عليه.
والمطلع على مسألة الطلاق في تلك الأمم والديانات-غير السماوية- يجد بُعده عن العدل والعقل وعن المصلحة ودفع الضرر.
أما في ديننا الذي هو دين مراعاة المصالح ودفع المضار فالطلاق مضبوط بأحكام وآداب يراعى فيها تحصيل المصلحة ودفع المضرة. فهو في الإسلام آخر الحلول لمشكلات لا تحل إلا به، ولم يشرعه ليكون مشكلة جديدة. ولذلك تأملوا معي هذه الآيات الكريمة التي تعالج الخلاف بين الزوجين أين كان موضع الطلاق في ذكر الحلول التي أوردتها.
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا 34} وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا {35} [النساء 34 - 35] .
وقال: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 128} وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا {129} وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا {130} [النساء 128 - 130] .
فذكر اللهُ من وسائل الحل عند نشوز الزوجة: الموعظة، ثم الهجر في المضجع، ثم ضرب التأديب، ثم الصلح، ثم ذكر بعد ذلك الطلاق.
ولذلك قال بعض الفقهاء: إن الطلاق تدور عليه الأحكام الخمسة، فقد يكون مباحًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا.
أيها الأخوة الكرام، إن حديثي اليوم عن ظاهرة كثرة الطلاق إنما جاء من كثرة إيقاعه من غير تروٍ وأناة، ومن كثرة تلاعب بعض الناس في هذه الرابطة الوثيقة.
بحيث صار الطلاق سلاحًا بيد بعض الأزواج يهدد به الزوجة متى شاء، حتى تعيش الزوجة حين ذلك حياة يشوبها القلق والخوف.