أيها المسلمون، لقد أوحى الله تعالى إلى خليله إبراهيم عليه السلام أن يبلغ الناس أن الله تعالى قد كتب عليهم الحج فبلغهم، وبلغهم أيضًا المواقيت الزمانية لذلك، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. ولتباعد أقطار الناس وللثارات التي كانت تجري بينهم كانت الأشهر المحرمة أربعة لأداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهرًا هو ذو القعدة، وحرم شهر ذي الحجة لإيقاع الحج فيه، وحرم شهرًا بعده هو المحرم؛ ليرجعوا إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم شهر رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار فيه لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب لزيارته ثم يعود إلى وطنه آمنًا.
وقد بقي عند العرب من هذه الشعيرة الحنيفية بقايا، ولكن لما كانت حياتهم مصبوغة بالحل والترحال والثأر والقتال شق عليهم أن يقعدوا أربعة أشهر بدون قتال؛ لما فيهم من القوة الغضبية والسطو والحمية فلأجل هذا بدأوا يتلاعبون في حرمة هذه الأشهر بما سموه بالنسأ، وهو التأخير، مثل أن يحلوا شهر المحرم عامًا ويحرموا عوضه شهر صفر عامًا آخر، وهكذا.
وكان أول من نسأ الشهور على العرب: القَلّمس بن الحارث بن كنانة، ثم قام أولاده من بعده إلى أن كان آخرَهم: أبو ثمامة جنادة بن عوف.
ثم جاء الإسلام فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبًا فيحل ويحرم ويقول: إني لا أُجاب ولا أعاب ولا مرد لما أقول. فيسمع له العرب ويطيعون.
وهذا من أعمالهم السيئة التي ضلوا بها وزادتهم كفرًا إلى كفرهم. قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة 37] .
ومن هنا نعلم-يا عباد الله- عظم ذنب التلاعب بشرع الله تعالى والتحيل على دينه، وفظاعة تحريم ما أحل الله وتحريم ما حرم.
فشريعة الله تعالى إنما هي لمصلحة الإنسان في العاجل والآجل، والتلاعب بها جناية تدل على الاستخفاف والكراهية والسير وراء الأهواء ووساوس الشيطان.
فمن يتلاعب بشرع ربه إنما يتلاعب على نفسه ويخسر حظه ونصيبه، ولن يضر الله شيئًا، ومن يتحيل على أوامر الدين ونواهيه ففيه شبه باليهود المغضوب عليهم، وكأن نفسه لم ترتض ما ارتضاه الله لعباده، حتى ضاقت عن قبول ما شرع، فلجأت إلى