-صلى الله عليه وسلم-: (لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) [1] .
إذن -أيها المسلم- ليس هناك مجال للكلمة الخبيثة في حياة المسلم.
عباد الله، إن الكلمة في حياة الإنسان لها شأن عظيم؛ فهي بوابة الخير أو بوابة الشر، وهي منطلق الأعمال الكبيرة، بل هي الوقود الأول للمعارك. والصراع الحقيقي اليوم صراع كلمة وفكرة تنتج عن ذلك أفعال وأحداث. فانظروا إلى الإعلام اليوم ماذا يصنع؟ سواء كان إعلام خير أم إعلام شر. فلا يستهينن أحد بالكلمة مهما قلت، ومن أي فم خرجت، فرب كلمة أضاءت الدنيا أو أظلمتها.
فالكلمة الطيبة لها آثارها الحسنة العاجلة والآجلة على صاحبها وعلى من بلغته، فكم من كلمة طيبة غيرت مجتمعًا من الشر إلى الخير، ومن الذل إلى العز، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة.
فمصعب بن عمير رضي الله عنه خرج إلى المدينة داعيًا إلى الله تعالى، وفي يوم من الأيام بينما كان جالسًا مع أسعد بن زرارة جاءهما أسيد بن حضير فقال لهما:"ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال أسيد: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! ثم جاء سعد بن معاذ فقال مثل ما قال أسيد، فقالا له: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعرض عليه الإسلام فأسلم، ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة". لقد كلمة مصعب الطيبة آسرة لهذين الخيِّرين رضي الله عنهما حتى أسلما، ثم سمعتم كيف كانت نتيجة إسلامهما بين قومهما.
ومن آثار الكلمة الطيبة: أنها قد توحد الصفوف وتجمع الشمل، وتؤلف بين القلوب، وتقرب بين الأباعد، وتحبب بين المتباغضين، وتذهب أحقاد الصدور، وتعين على إصلاح ذات البين.
(1) رواه أبو داود والطبراني، وهو صحيح.