فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 773

يذكر أن علي بن الحسين رحمه الله كان بينه وبين حسن بن حسن رحمه الله شيء من الجفاء، فجاء يومًا حسنُ بن حسن و علي بن الحسين جالس مع أصحابه في المسجد، فما ترك شيئًا إلا قاله له، وعليّ ساكت، فلما كان الليل، أتى علي بن الحسين حسن بن حسن في منزله، فقرع عليه بابه، فخرج إليه، فقال له: يا أخي، إن كنت صادقًا فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك .. السلام عليكم. وولى .. فما كان من الرجل إلا تبعه، والتزمه من خلفه، وأخذ يبكي، ويقول: لا جرم لا عدت في أمر تكرهه .. فقال له علي: وأنت في حل مما قلت لي.

ومن الآثار الحسنة للكلمة الطيبة: أنها تجعل لصاحبها محبة بين الناس واحترامًا ومكانة مرموقة.

والكلمة الطيبة قد تنجي صاحبها يوم القيامة، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني بشيء يوجب لي الجنة قال: (عليك بحسن الكلام وبذل السلام) وفي رواية (عليك بالسلام وبذل الطعام) [1] .

والكلمة الطيبة قد يُعز بها بعد الذلة، ويغتنى بعد القلة، ويشرف بعد الخفوت.

خرج الشاعر الأعشى إلى سوق عكاظ-وهي السوق الأدبية في ذلك الزمان التي كانت تعرض فيها بضاعة الأدب- فتلقاه رجل فقير يقال له: المحلَّق له ثمان بنات لم يتزوجن، فأراد أن يكسب منه كلمة من شعره بين العرب لعل بها تزويج بناته، فنحر له ناقته التي لا يملك غيرها وأكرمه، وبينما كان الأعشى عند المحلق تحلّقت البنات بالأعشى فقال لأبيهن: ما هؤلاء الجواري؟ فقال: هؤلاء بنات أخيك، فذهب الأعشى من بيته ولم يقل شيئًا، فلما وافى عكاظ قال قصيدته القافية التي منها قوله:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تَحرّق

تُشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلَّق

ترى الجود يجري ظاهرًا فوق وجهه ... كما زان متنَ الهندواني رونق

ثم نادى: يا معاشر العرب، هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده إلا وقد زوجت البنات الثمان على أشراف من العرب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

(1) رواه ابن حبان والحاكم والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت