فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 773

(وآمركم بذكر الله؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) [1] .

ولا عجب أن الذاكرين اللهَ تعالى موصفون بالحياة والغافلين عن ذلك موصوفون بالموت.

قال صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) [2] فالغافلون أدركهم الشيطان فأمات أرواحهم وقلوبهم؛ ولهذا فإن الذاكرين يعيشون حياة حقيقية ملؤها السعادة واليقين، وتحفها الطمأنينة والراحة، وأفعالهم بيضاء لصفاء قلوبهم بذكر الله تعالى، أما غيرهم -ممن يعيشون الغفلة- فأموات في صورة أحياء، وأشباح بلا أرواح، ليس لهم من الحياة إلا حركة الأجسام التي عشعشت فيها الغفلة وفرّخت فيها العناءَ والكآبة؛ ولذا فأعمالهم مظلمة؛ نتيجة سواد قلوبهم، وما صلاح الظاهر إلا بصلاح الباطن، وما فساده إلا بفساده.

ولا ريب أن القلب يصدأ، وصدأه بالغفلة والذنب، وجلاؤه بالذكر. فإذا صدأ تغير وانتكس، فتغيرت الجوارح بتغيره، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف 28.

أيها المسلمون، إن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بذكره ذكرًا كثيرا، فإذا فعلوا ذلك أثنى عليهم ورحمهم، واستغفرت لهم ملائكته، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا 41} وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا {42} هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا {43} [الأحزاب 41 - 43] .

بل الذاكر مذكور عند الله؛ حينما امتثل الأمر، كما قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} البقرة 152.وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم) .

وهذا الذكر جزء يسير من الشكر لله تعالى على نعمه؛ ولهذا ذكر بعد آية الأحزاب-الآنفة الذكر- الآمرةِ بالذكر نعمَه عليهم بالثناء عليهم، ودعاءِ ملائكته لهم، وإخراجِهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان. وفي آية البقرة جُعلت آية الذكر جزاءً لنعمته عليهم بإرسال محمد عليه الصلاة والسلام لهدايتهم وإرشادهم فقال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ

(1) رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وهو صحيح.

(2) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت