وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة 151 - 152] .
فمن لم يذكر الله فقد جحد نعمه وما شكرها، ومن ذكره فقد شكرها وما كفرها.
عباد الله، إننا نجد نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم دائم الذكر لله تعالى على كل أحيانه؛ قيامًا بشكر الله، وتقربًا إلى مرضاته، فلا يفتر لسانه وكل جوارحه عن ذكر الله، يقرأ القرآن ويصلي، ويكبر ويحمد ويهلل ويسبح، ويحوقل، ويبسمل، ويستغفر، ويحسبل، أي: يقول: حسبي الله، ويدعو ويبتهل قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، في حال يقظته وعند منامه و استيقاظه، في صباحه ومسائه، في سفره وحضره، وعند دخوله وخروجه من البيت والمسجد والخلاء، وعند لبسه وخلعه لثوبه، وعند أكله وشربه وعطاسه ووضوئه، وفي كل أحواله سرائها وضرائها، صلى الله عليه وسلم.
إخواني الكرام، إن ذكر الله تعالى عبادةٌ من العبادات، ولكنها عبادة ميسرة لا صعوبة فيها، ولا موانع تمنع عنها، ولا مقدار يضبطها فلا تزيد عليه, قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} الأحزاب 41،:"إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه فقال: {يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} بالليل والنهار، في البر والبحر, وفي السفر والحضر, والغنى والفقر, والسقم والصحة, والسر والعلانية, وعلى كل حال".
إنه قد يستطاع منعُ العبد من عبادة من العبادات، إلا ذكر الله فهو حر بلا قيود.
وقد يقتصر في أداء بعض العبادات على جارحة معينة، وعضو محدد أو على الظاهر فقط أو على الباطن فحسب، ما عدا ذكر الله؛ فإنه يؤدى بالقلب، ويؤدى باللسان، فذكر القلب نوعان: أحدهما: -وهو أرفع الأذكار وأجلها- التفكر في عظمة الله وجلاله، وجبروته وملكوته، وآياته في سماوته وأرضه.
والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهى عنه سبحانه وتعالى. وأما ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث.
ومع هذا اليسر -عباد الله إلا أن الغافلين والمستصعبين لهذه العبادة الفاضلة كُثر.
وهناك نوع آخر من الغفلة، وليس الغفلة عن الفعل، ولكنه الغفلة حال الفعل، فما أكثر من يذكر الله تعالى بلسانه ويغفل عنه بقلبه! فالقلب بذلك خالٍ من التعظيم والإجلال،