وكفى بهذه منقبة بعد الإيمان بالله؛ لأن الله تعالى يقول: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة 269] .
ومن فضائل أهل اليمن: أنهم من أهل الخشوع ورقة القلوب والشفقة على المخلوق، والطاعة والانقياد في الحق كما في الحديث السابق: (جاء أهل اليمن هم أرق قلوبًا وأضعف أفئدة) ، وعند أحمد: (وأنجع طاعة) وعند الطبراني: (وأسمع طاعة) [1] .
وقد قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر رضي الله عنه أيام خلافته فسمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر:"هكذا كنا ثم قست القلوب".
أيها الأحبة الكرام، ومن فضائل أهل اليمن: أنهم يحبون الله ويحبهم الله، وأنهم أشداء على الكفار أرقاء على المؤمنين.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة 54] .
فعن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .... } [المائدة 54] .أومأ رسول الله إلى أبي موسى بشيء كان معه فقال: هم قوم هذا) [2] .
وروى الطبري في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي:"أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال: محمد: يأتي الله بقوم، وهم أهل اليمن، قال عمر: يا ليتني منهم!".
وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم قال:"أتيت ابن عمير فرحب بي ثم تلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .... } [المائدة 54] ، ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله لمنكم أهل اليمن، ثلاثًا".
ومن الفضائل: أنهم من أكثر الناس تشبهًا بصحابة رسول الله في اتباع السنة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رفقة من أهل اليمن في الحج رحالهم الأدم، فقال:"من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة كانوا بأصحاب رسول الله فلينظر إلى هؤلاء".
ومن فضائل أهل اليمن: أنهم من أسرع الناس استجابة للحق وبعدًا عن الاستكبار عنه؛ فقد استجابوا لدعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام برسالة، ولم يلق منهم رسول الله محاربة وصدًا. وجاءت وفودهم أفواجًا مسلمين منقادين من غير إكراه ولا رهبة.
عن ابن عباس: قال: بينما النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة إذ قال: (الله أكبر الله أكبر جاء نصر الله وجاء الفتح، وجاء أهل اليمن قوم نقية قلوبهم، لينة طاعتهم، الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية) [3] .
(1) حسن إسناده الهيثمي.
(2) رواه الطبراني والحاكم، وهو صحيح.
(3) رواه ابن حبان، وهو صحيح.