فهذه الآية الكريمة رسمت منهج دستور الحكم الإسلامي العادل المتمثل في أداء الأمانة الوظيفية من الحاكم إلى الشعب الذي يحكمه، وفي سلوك سبيل العدل في جميع شئون الحكم. وتحقيق هذه الغاية يتطلب بذل جهد كبير من الحاكم المسلم في إصلاح نفسه تقوى وعلمًا بمتطلبات الحكم الرشيد، وفي اختيار بطانته وولاته على مفاصل الدولة؛ لأن صلاح الحكم بصلاح بطانة الحاكم ونوابه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه) [1] .
معشر المسلمين، إن أداء أمانة الحكم تتمثل في أعمال توصل الحاكم المسلم إلى تحقيق الحكم الصالح الذي يسعد الحاكم والمحكوم.
فأولى هذه الأعمال: توطيد دعائم العدل بين الناس. فالعدل هو إنصاف الرعية بحزم في موضع الحزم، ولين في موضع اللين، بلا محاباة مع القريب والبعيد والصديق والعدو.
عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أتشفع في حد من حدود الله) . ثم قام فاختطب ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) [2] .
إن العدل هو عماد بقاء الحكم وسبب قوته وهيبته في نفوس الرعية. والحاكم العادل يحجزه الخوف من الله تعالى عن الظلم والجور والخيانة.
يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة) [3] .
وقال: (اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به) [4] .
(1) رواه أبو داود وابن حبان، وهو صحيح.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(4) رواه مسلم.