فهرس الكتاب
وقال تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل 39] . فذكر هذا العفريت مؤهلاته لحمل عرش ملكة سبأ من مأرب إلى الشام، وهي كونه قادرًا على المجيء به، وكونه أمينًا على ما فيه.
فهذان الوصفان: القوة والأمانة يضمنان صلاح الأعمال والوظائف. فالقوة تضمن القدرة على القيام بالعمل المطلوب حصوله و تأديته من غير تقصير، والأمانة تضمن إتقانه وحفظ ما فيه من دون لا نقص.
إن القوة ليس المقصود بها قوة البدن فحسب، بل هناك أعمال ووظائف تحتاج قوة لسان ونطق، وأعمال تحتاج قوة تفكير وتدبر، وهناك أعمال تحتاج قوة بيان وكتابة، وهكذا.
فشرط القوة يكون حسب كل عمل. وقد قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف 55] . فقوة يوسف هنا بعلمه وحسن تدبيره وتصريفه ما في الخزائن. وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه تم اختيار زيد بن ثابت رضي الله عنه لمهمة جمع القرآن من الرقاع والعظام وكتابته في صحائف خوفًا عليه من الضياع بموت حفاظه فقال له أبو بكر: (وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك) [1] . فشباب زيد وعقله هي القوة لهذه المهمة، وعدم تهمته أمانة لذلك أيضًا.
عباد الله، إن القوة والأمانة وصفان قد يقل اجتماعها في كثير من العمال والموظفين، فقد يوجد موظف قوي لكنه خائن، وقد يوجد إنسان أمين لكنه ضعيف. وهذا هو الذي شكا منه عمر رضي الله عنه حيث قال:"أشكو إلى الله عجز الثقة وجلد الفاجر".
فإذا لم يجتمع هذا الوصفان في موظف ووجد واحد منهما فيتخير للعمل ما يناسبه، فقد يحتاج في عمل ما قوة موظف أكثر من أمانته، وفي عمل آخر أمانته أكثر من قوته.
إن من أسباب نجاح الأعمال والوظائف وقيام الأمانة فيها: أن تراعي الحكومات والشركات والمؤسسات موظفيها والعاملين فيها بأن تعطيهم الراتب الكافي-حسب العمل- الذي يضمن لهم حياة كريمة مستقرة؛ لأن قلة المرتبات مع التصاعد الشديد في الأسعار ومتطلبات الحياة المعاصرة قد يكون ذريعة لبعض الموظفين إلى الخيانة في أعمالهم.
(1) متفق عليه.