الاختلال وتضييع الدين والدنيا. والأمن على هذه الجوانب العظيمة مطلب شرعي وفطري وعقلي.
أيها المسلمون، إن المسلم الصالح في المجتمع يسعى لإيجاد الأمن والاهتمام بنشر الخير والاطمئنان بين الناس؛ لأن الشرع أمره بأن يكون عضوًا صالحًا في جسد المسلمين بعيدًا عن التعدي على غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) [1] .
ولأن بُعده عن إيذاء الناس عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وخروجه عن هذا الأصل يعرضه للعقوبة.
وكل مسلم يستشعر هذه المعاني فلن تنازعه نفسه ويقوده هواه للفساد والإفساد، وبهذا تتم المراقبة الذاتية والوازع الشخصي فيعيش المسلمون في صلاح للدين والدنيا. ومن ثم فلا حدود تقام وقد صلح الناس ولم يتجاوزوا حدود الله تعالى.
لكن إن خرج مسلم عن هذا الإطار الآمن الصالح ولم تمنعه نفسه عن الأذى فهناك يأتي الوازع الآخر الذي يوقفه عند حده حتى لا يفسد المجتمع بتعديه وهذا الوازع هو الحدود الشرعية التي تكفل للمجتمع أن يعيش حياة آمنة مطمئنة يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان.
معشر المسلمين، إن الناظر المنصف إلى الحدود التي حددها الشرع الحنيف لكف الفساد في الأرض سيحكم بأنها وسام مدح في صدر هذا الدين وليس عيبًا فيه، وهي سبب راسخ من أسباب استمراره وظهوره وتأثيره، فالمجتمعات الغربية رغم دقة أجهزة المراقبة فيها وتوفر الحس الأمني المنتشر، ورغم عقوبات القانون مع كل ذلك لم تستطع أن تكبح جماح الجريمة، فهذا يبين أن القانون البشري مهما كان دقيقًا فإنه لا يمكن أن ينال رضا البشر ويحبس المجرمين منهم عن الجريمة. فالله يعلم وهم لا يعلمون؛ ولذلك شرع لعباده الدين الحق الذي إذا التزموا بهم سعدوا في دنياهم وأخراهم.
والناظر المنصف إلى الحدود الشرعية يرى أنها حدود مقدرة كمًا وكيفيًا، فلا مجال للعقل البشري أن يضيف عليها أو أن ينقص منها؛ لأن الله أعلم حيث حدد وقدر.
إلا في التعزير على عمل لم يرد في الشرع فيه حد معين؛ لكونه ليس من الجرائم الكبيرة أو المنتشرة.
(1) متفق عليه.