والناظر المنصف إلى الحدود الشرعية يرى أن هناك شروطًا لا بد من توفرها قبل إقامة الحد، كما سيأتي.
والناظر المنصف إلى الحدود الشرعية يجد أنها تُدرأ بالشبهات، وأن الشرع يتشوف إلى براءة المتهم والتحقق واليقين من صحة الدعوى فلا يقيم الحد إلا في النهاية؛ ولذلك كان من الأفضل لمن وجب عليه حد أن يستر نفسه ويتوب بينه وبين ربه، وكذلك على الناس أن يستروا من وقع منه ما يوجب الحد وكان غير مجاهر ولا مستهتر، وأن لا يرفعوا أمره إلى الحاكم؛ فلعله أن يتوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب) [1] .
وقد جاء عن عمار بن ياسر أنه أخذ سارقًا ثم قال:"أستُره؛ لعل الله يسترني". وقال أبو بكر الصديق:"لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه".
ودعي عثمان في ولايته إلى قوم على أمر قبيح فراح إليهم فلم يصادفهم، ورأى أمرًا قبيحًا فحمد الله إذ لم يصادفهم وأعتق رقبة.
والناظر المنصف إلى الحدود الشرعية يجد أنها لا تقام على يد كل أحد وإنما تقام على يد ولي أمر المسلمين أو من ينيبه عنه.
والناظر إلى الحدود الشرعية يرى أنه راعت المصلحة العامة والمصلحة الخاصة،
فمن المصلحة العامة أن يبقى دين المسلمين محفوفًا بالهيبة والتقدير، فأما إذا صار
ظرفًا للتجربة واللعب، فيخرج منه من أقر به كيف شاء ومتى شاء؛ لغدا ألعوبة لكل لاعب يريد القضاء عليه من الداخل فذهبت هيبته من النفوس.
قال تعالى عن منافقي أهل الكتاب: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} {وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:72 - 73] .
ومن مصلحة الفرد المعتدي إذا كان مسلمًا أن يقام عليه الحد ليكون كفارة لذنبه، وحينما يحضر إلى القضاء سيرد الحقوق إلى أهلها وسيوعظ وينصح ويكون ذلك عونًا له على التوبة ولزوم الطاعة حتى إذا رجع إلى المجتمع -إن كان حده القطع
(1) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وهو حسن.