بهذا العدد وبهذه الكيفية الدقيقة التي يندر حصولها-لأن الزنا يعتمد على الستر والاختفاء- تدل أيضًا على تشوف الشارع إلى الستر ودرأ الحدود؛ ولذلك حتى لو اجتمع ثلاثة عدول ودينهم وعلمهم كالجبال ولا يوجد لهم رابع فإنه يقام عليهم حد القذف. فانظروا إلى هذا الحرص يا من تطعنون في حدود الله!
أيها المسلمون، ثانيًا العقوبة بالقطع، وهذا العقوبة تتناول حدًا واحدًا هو حد السرقة.
فالمال -كما يقال- عصب الحياة وتتعلق به أغلب مصالح الحياة، وميل النفوس إليه ميل كبير، والتنازل عنه ليس سهلًا عليها، ثم إن تحصيله ليس بالأمر اليسير لكل الناس.، وليس في قدرة الإنسان أن يبقى مع ماله كله دائما؛ لهذا جعل الشرع حد السرقة رادعًا عن الصيالة على الأموال المعصومة. وذلك بقطع العضو الفاسد الذي تعدى على أموال غيره.
قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38] .
ومن حرص الشارع على درء الحدود أنه لا يقام على السارق هذا الحد إلا بشروط، وهي أن يكون السارق بالغًا عاقلًا مختارًا، وأن لا يكون في المال شبهة ملك كالأخذ من مال الزوج أو الزوجة أو من مال الوالدين أو مال الأولاد، وأن يكون المال المسروق نصابًا، ومحروزًا في حرز مثله.
ثم إنه لا يثبت الحد إلا بالإقرار، أو ثبوت البينة وهي شهادة شاهدين عدلين.
أيها الأخوة الفضلاء، النوع الثالث من عقوبات الحدود الشرعية هو العقوبة بالقتل، وهذا يتناول حد الردة، وحد القتل، وحد زنا المحصن، وحد الحرابة.
فأما حد الردة، فهو حد يكون في حق من رجع إلى الكفر بعد الإسلام إما بالقول وإما بالفعل وإما بالاعتقاد، وهذا الفعل ذنب عظيم وتبديل لنعمة الله تعالى بعد حصولها.
قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217] .
عن عكرمة أن عليًا رضي الله عنه حرق قوما فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (لا تعذبوا بعذاب الله) . ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: (من بدل دينة فاقتلوه) [1] .
(1) رواه البخاري.