ومن حرص الشارع على درء الحدود: أنه لا يقام هذا الحد إلا على من كان بالغًا عاقلًا مختارًا عالمًا مدركًا ما يقول، بعد الاستتابة وثبوت الردة بالإقرار أو البينة.
وأما حد القتل، فهو عقوبة بالقصاص مماثلة للفعل على من أزال أغلى ما يملكه المسلم بعد دينه، وهي حياته التي يستعين بها على العمل الصالح ورعاية أهله وأولاده ونفع نفسه وغيره، فالجناية عليها بالإزهاق جرم كبير يخرب العالم ويوصله إلى الفناء. فجاء العدل الرباني بإزالة هذه النفس المعتدية على المقتول بالإفناء وعلى غيره بالتخويف والوعيد، لتلقى هذه النفس المجرمة المصير نفسه، وتشرب من الكأس المر نفسه الذي سقته غيرها؛ لتستمر حياة الآخرين بأمان واستقرار.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:178 - 179] .
ومن حرص الإسلام على درء الحد عن القاتل أنه لا يقام عليه هذا الحد إلا إذا كان عاقلًا بالغًا عامدًا قاصدًا، وأن لا يكون المقتول كافرًا، وأن لا يكون القاتل أبًا للمقتول.
وأما حد زنا المحصن، وهو الذي قد تمت عليه النعمة بالزواج، فإنه يكون بالرجم حتى الموت، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بماعز والغامدية وغيرهما.
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأقضين بينكما بكتاب الله: أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس -لرجل كان عنده- فاغدُ على امرأة هذا فارجمها، فغدا عليها أنيس فرجمها) [1] .
ومن حرص الشارع على درء هذا الحد أن لا يقام على صاحبه ذكرًا أو أنثى إلا بشروط، كما تقدم ذكرها في حد الزاني البكر.
(1) متفق عليه.