فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 773

هذه الآيات الكريمات تبين للناس بعض صور الابتلاء والاختبار من الله تعالى لعباده المسلمين في أمور حياتهم الدنيوية، وتكشف لهم أن رحمة الله تجلّت في كون الابتلاء في أمر الدنيا لا في أمر الدين، وفي كونه جزئيًا لا كليًا، تناول اليسير من حاجات الدنيا ولم يتناول الكثير منها.

وتوضح هذه الآيات العظيمة حال المفلحين عند هجوم هذه المصائب عليهم، وتذكر الجزاء الحسن الذي نالوه جراء مواقفهم الصحيحة عند المصائب والمحن.

عباد الله، يقول تعالى: {ولنبلونكم ... } ، جاءت هذه الجملة بعد أن قال تعالى للمسلمين قبلها: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة 151 - 154] . ثم قال: {ولنبلونكم} .

فبين تعالى أن الإيمان المجرد لا يكفي حتى يظهر ويثبت بحصول الابتلاء الذي يرسخ التصديق واليقين، ويرفع الدرجات ويكفر السيئات، ويقوي عود الإيمان بعد حصول الصبر على صور البلاء. وقد ابتلي الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون فما زادهم ذلك إلا ثباتًا إلى ثباتهم ورفعة عند الله وعند خلقه.

ثم يقول تعالى: {ولنبلونكم بشيء ... } ، إن الله يبتلي عبده الصالح من المحن والمصائب بقدر إيمانه؛ ليحصل بذلك الغرض المقصود من الابتلاء. فلا يكون الابتلاء مُذهبًا للإيمان، وقاضيًا على الصلاح ولا على كل أسباب الحياة، بل ينزل من ذلك قدرًا محدودًا.

ولذلك قال تعالى هنا: {بشيء من الخوف ... } ولم يقل: (بخوف) ، فهذا دواء من الله ينيله عبده بقدر دائه. أما العقوبة لمن حاد الله ورسوله فهي شديدة كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل 112] .

وفرق بين الإصابة بالخوف والجوع في هذه الآية وبين سابقتها.

أيها الفضلاء، ثم يقول تعالى: { .. بشيء من الخوف .. } ، هذه أول صورة من صور الابتلاء، وهي أن يذهب الله بعض الأمن فيعيش الناس في قلق واضطراب وهلع، فيكون بذلك ذهاب جزء من نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم؛ ولذلك يقول تعالى ممتنًا على قريش؛ ليدعوهم بذلك إلى الإسلام: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ 1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت