الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4} [قريش 1 - 4] .
إن الأمن نعمة عظيمة تستجلب بها خيرات الدين والدنيا، وبذلك ندرك السر في ابتداء الحديث عن نقيضها في هذه الآية، وبعض الناس قد لا يدركها إلا إذا ذهبت، فما أفسح الدنيا بالأمن وما أضيقها بالخوف! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) [1] .
ومن اهتمام الإسلام بهذه النعمة: أنه أمر بإقامة الحكم والعدل وشرع الحدود لردع الجناة الذين يقلقون السكينة في المجتمع.
الصورة الثانية من صور الابتلاء في هذه الآيات: الابتلاء بالجوع فقال: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ... } ، إن الجوع عذاب على الأبدان يفقدها حيويتها ونشاطها، وقد يفقدها الحياة كلها؛ لأن الطعام والشراب قوام الحياة والحركة على هذه الدنيا. والابتلاء بالجوع له صور منها: انعدام الطعام والشراب وقد يكون ذلك بسبب الحروب أو ارتفاع الأسعار أو بانقطاع الغيث وحصول الجدب، أو بنزول جوائح على المأكل والمشرب. ومن صوره: قلته بسبب كثرة الآكلين وقلة المأكول الموجود، وبسبب ذهاب البركة.
ولأجل إذهاب هذه المصيبة أمر الإسلام بالاستقامة على الطاعة؛ لأنها سبب لحصول نعمة الطعام والشراب، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة 66] .
ولأجل إذهابها أيضًا: أمر بطلب الرزق ودفع الزكاة لأهلها وحث على الصدقات وإطعام الجائع، حتى ولو كان حيوانًا.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا فقال: نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر) [2] .
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.
(2) متفق عليه.