فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 773

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المجتبى والرسول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أما بعد:

أيها المسلمون، إن السلام عبادة من العبادات التي لها أحكامها الشرعية، ويجمل بالمسلم أن يعرفها؛ لأن السلام ليس شعيرة موسمية موقوتة، ولا شعيرة في مكان دون مكان، ولا شعيرة خاصة بقوم دون قوم، بل هي شعيرة دائمة، وشعيرة عامة، للرجال والنساء والأطفال؛ فلذلك كان التفقه فيها مما يعني كل مسلم ومسلمة.

ومن ذلك: أن السلام معناه إلقاء هذه الكلمة لفظًا وهو مستحب استحبابًا كبيرًا، فمن تركه لا إثم عليه، لكن فاته الفضل والأجر، وأما الرد على السلام فإنه واجب يأثم المسلم بتركه؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء 86] . ويضاف إلى هذا أن الرد يكون بالمثل فأكثر لا بأقل لهذه الآية الكريمة.

وهذا الوجوب ليس عينيًا، بل هو كفائي إذا كانوا جماعة، وأما إذا كان المسلَّم عليه وحده فهو وجوب عيني.

عباد الله، في بداية الإسلام كان يجوز أن يلقي المسلم السلام على المصلي فيرد عليه المصلي وهو في صلاته بلفظه، فبقي ذلك زمنًا ثم نسخ، فعن عن عبدالله بن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: (إن في الصلاة شغلا) [1] .

وهذا الجواز كان عندما كان الكلام جائزًا في الصلاة، كما جاء في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] .فأمرنا بالسكوت) .

ولكن بعد هذا بقي أنه يجوز إلقاء السلام على المصلي لكن يرد المصلي بيده إشارةً لا بلفظه، كما في حديث بلال أن رسول الله فعل ذلك عندما سلم عليه بلال، وهذا يدل على أهمية السلام والحرص عليه،

عباد الله، ومن الأحكام أنه وردت أوقات نهي عن رد السلام فيها كحال الخطبة، فلو دخل مصل فرد عليك السلام وأنت في حالتك هذه فلا ترد عليه؛ لأنك أمرت في هذا الوقت بالإنصات. وكذلك لا ردَّ أيضًا حال قضاء الحاجة، فإذا قضى الإنسان حاجته رد على من سلم عليه، فعن أبي الجهيم قال: أقبل النبي صلى الله عليه و سلم من نحو

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت