داخلها؛ لمخالفتها العقل والواقع والشرع، ففيها ظلم لأصحاب الجهد، وتعويد للمجتمع على الكسل والاتكال على جهود الآخرين.
والنظرية الأخرى هي النظرية الرأسمالية وهي التي تطلق العنان للإنسان أن يأخذ المال من أي طريق، والغاية تبرر الوسيلة لديها، وليس فيها للفقراء والمساكين فيه حظ معلوم. وهذه النظرية هي الأكثر شيوعًا في العالم، وفيها إجحاف بحق الفقراء، وتزرع في قلوبهم الحقد على الأغنياء الذين يزدادون كل يوم غنى وربما من عرق الفقراء، والفقراء كل يوم يزدادون فقرًا إلى فقرهم.
لكن الإسلام له نظرته العادلة التي لا تنسى الفقير ولا تظلم الغني. حيث أباح للإنسان حق التملك وتحصيل ما يصل إليه جهده من المال، ولكن بالضوابط الشرعية التي تراعي حقوق الشرع وحقوق الفرد وحقوق المجتمع. فلم يبح له اكتساب المال من الوسائل المحرمة التي يعود ضررها على دينه ودنياه وعلى الناس، بل أمره بتحري المال الذي يطلبه، والابتعاد عن الحرام الصِّرف أو حتى الذي فيه شبهة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة 172] .
وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم وجد تمرة مسقوطة فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها) [1] . لأنه عليه الصلاة والسلام لا تحل له الصدقة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبوبكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبوبكر فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا منه. فأدخل أبوبكر يده فقاءَ كلَّ شيء في بطنه) [2] .
أيها المسلمون، إن الله تعالى كما أمر باكتساب المال وأخذه من الحلال نهى كذلك عن تناوله من الحرام، بأي وسيلة كانت. قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة 188] .
وهناك صور متنوعة لتناول المال من الحرام، فمنها: التعامل بالربا بطرقه القديمة والحديثة، وهذه الصورة هي التي عم بلاؤها وطم في مجتمعاتنا اليوم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.