فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 773

فإذا وصلوا باب المسجد قدم الواحد منهم الرجل اليمنى وقال: (بسم الله، و السلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، و افتح لي أبواب رحمتك) . فشرعوا بعد الدخول في الصلاة قبل أن يجلسوا إذا لم تقم الصلاة بعد.

وهؤلاء الأخيار الذين يقدرون الصلاة قدرها، هم يقدرون كذلك أهلها في بيوت الله فلا يؤذونهم برفع صوت أو رائحة كريهة، أو عمل لا يليق في بيوت الله.

فإذا أقيمت الصلاة هبوا إلى جنة الدنيا وألذ ما فيها، فألقوا الدنيا خلفهم حين شرعوا في التكبير، فإذا بدأوا لا ترى عليهم إلا الخشوع وثبات الحركات، وإتقان الصلاة وإحسانها، لا يسبقون الإمام ولا يتأخرون عنه تأخرًا مخلًا، بل يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها، فإذا سلم الإمام سلموا فذكروا الله ولم ينشغلوا بذكر الناس، ثم انصرفوا من محراب الصلاة إلى مجالات الحياة بعد أن غسلوا قلوبهم وطهروا نفوسهم، فلا يرى على وجههم إلا النور ولا على تعاملهم إلا الصدق والأمانة وحسن الوفاء؛ لأن هذه آثار صلاة العبادة في الواقع.

قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45] .

فهل نحن يا عباد الله من هؤلاء؟ نسأل الله أن نكون كذلك؟

أما الصنف الآخر من المصلين، فهم الذين يصلون الصلاة عادة، فحالهم معها أنهم يجعلون الصلاة في هامش الأعمال لا في أصولها، وليس لديهم حرص على الاستعداد لها والاهتمام بأوقاتها.

فإذا أذن المؤذن فلا يفرحون بذلك، بل قد يغضبون ويقطبون أجبنتهم كأن هذا الصوت عكر عليهم راحتهم.

فإن توضأوا لم يسبغوا، وإن جاءوا المسجد جاءوا متأخرين، فإذا دخلوا المسجد كأنهم دخلوا إلى سوق فيرفعون الأصوات ويحدثون الضجيج ويؤذون المصلين.

فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا قيام من يريد التخلص من حِمل ثقيل على ظهره، ولسان حالهم: أرحنا منها يا إمام!

فإذا شرعوا في التكبير فتحوا مشاريع الدنيا ومشاغلها فلم يخشعوا ولا ذاقوا طعم الصلاة، فإذا سلم الإمام استيقظوا من سكرة الانشغال بتلك الأعمال الذهنية التي ربما لم تفتح أبوابها إلا في الصلاة. فخرجوا بعد ذلك إلى ميدان الحياة بلا أثر للصلاة على أعمالهم وتصرفاتهم مع أنفسهم ومع الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت