معشر المسلمين، ومن صفات عباد الرحمن: أنهم-مع اجتهادهم في الإيمان والعمل الصالح- يخافون الله تعالى أن يدخلهم نار جهنم التي يلازم عذابها أهلها. وهذا من صدق عبوديتهم حيث جمعوا بين العمل والخوف.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:57 - 61] .
فهؤلاء الصالحون-نسأل الله أن يجعلنا منهم- يدعون الله فيقولون: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا 65} .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخائفين من رب العالمين مع كونه سيد المرسلين.
فعن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) [1] .
أيها الأفاضل، إن عباد الرحمن أورثهم العمل النافع والعمل الصالح التوسطَ في الأمور والاعتدال فيها فلا إفراط ولا تفريط. ومن ذلك التوسط في الإنفاق فليس لديهم إسراف يضيعون به نعمة المال، وليس من صفاتهم البخل به على المستحقين منه.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا 67} .
لقد عاش رسول الله عليه الصلاة والسلام زاهدًا في هذه الدنيا راغبًا عنها وكان باستطاعته أن يعيش الحياة الرخية المترفة، لكنه أبى ذلك، فقد ظل في هذه الحياة الزاهدة ملازمًا للتوسط في نفقته وإمساكه، فلم يكن بالمسرف الذي يصرف المال في غير وجهه الحق، ولم يكن بالبخيل الذي أمسك حقوق الخلق عليه، بل عاش بالحسنة بين السيئتين عاش بالاعتدال بين الإقتار والإسراف.
عباد الله، ويستمر الخطاب القرآني الرائع فيسرد صفات هؤلاء الصالحين، فبعد أن ذكر فضائل الأعمال التي يقومون بها من تواضع وحلم، وقيام ليل ودعاء، واقتصاد في إنفاق المال، فبعد ذلك كله انتقل الخطاب إلى ذكر مجانبتهم للرذائل الخاصة والعامة.
(1) رواه الترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.