وأحسن إلى نفسك بأن تحبسها على الحق، وتحول بينها وبين الباطل، وتلجمها بلجام الصبر عن اتباع الهوى والأمر بالسوء.
وأحسن إلى نفسك بأن تعزها عن مواطن الذل، وتبقيها في هامات العز، وأحسن إلى نفسك بأن تأخذ لها من الدنيا ما يكفيها ولا يلهيها، ويكرمها ولا يهينها، ويحييها ولا يهلكها بهمِّ جمعها وخوف فواته عليها.
وأحسن إلى نفسك بأن تؤدي إلى الناس حقوقهم من نفسك، وتبعد نفسك عن الإضرار بهم.
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي على نفسي من الناس شاغل.
معشر المسلمين، إن أحق الخلق على الإنسان-بعد نفسه- بالإحسان إليه: والداه اللذان دخل إلى هذه الحياة بسببهما، ووصل إلى ما وصل إليه بعد جهدهما ورعايتهما.
فما أجمل أن يحسن إليهما بالوجه المبتسم والكلمة الطيبة، وبطاعة أوامرهما، والاعتناء بهما، وتفقد أحوالهما، وجلب ما يسرهما، وإبعاد ما يضرهما، وخفض الجناح لهما، والسؤال عنهما، وإكرام أصدقائهما، والنفقة عليهما، والدعاء لهما حيين أوميتين.
قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء 23 - 24] .
وعن عبدالله بن دينار عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يومًا على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي فقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا، والعمامة اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك؟! فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولي، وإن أباه كان صديقًا لعمر) [1] .
أيها الأحبة، ومن الإحسان العظيم: الإحسان بين الزوجين، أن يحسن الرجل إلى زوجته بحسن معاشرتها، وحثها على الخير والطاعة، والنفقة عليها بالمعروف، وإعطائها حقوقها المالية والنفسية والفراشية المشروعة، من غير ظلم، ولا مانع من
(1) رواه مسلم.